الخميس، 20 يناير 2011

من السقف تسقط الفاكهة طازجة

 عميد المسرح العربي يوسف وهبي عنده قصص وحكايات لا يصدقها العقل. ولكنها صحيحة ومؤكدة. فقد رأى في بيته وهو شاب أن رجلا يجيء من الصعيد يمد يده في النافذة فيأتي بالأطعمة ساخنة. أو بالأطعمة التي يطلبها منه الناس فيقال له مثلا: هات لنا دجاجا مشويا وهات لنا عشاء كاملا من محل جروبي.

لم يكن لهذا الرجل إلا شرط واحد، أن يدفع الحاضرون ثمن الطعام الذي يحضره. وكانوا يدفعون. وفي لحظة يمد يده خارج النافذة ويجيء الأكل ساخنا طازجا.

ليس من الضروري أن يحدث ذلك في البيت وإنما أيضا في القطار. هذا الرجل الطيب اسمه الشيخ طنطاوي جوهري. فإذا جلس الناس معه في القطار قالوا: يا عم الشيخ نحن الآن بالقرب من أسيوط. والدنيا حر جدا. ونحن جائعون. نريد آيس كريم يا عم الشيخ.

كان يقول لهم بصوت منخفض: الفلوس أولا. ويدفعون. ثم يفتح نافذة القطار وتعود يده وعليها صينية وفوقها الآيس كريم المطلوب.

تسمع مثل هذه الحكايات والنوادر من يوسف وهبي. وتسمعها من توفيق الحكيم. ويقول توفيق الحكيم إن مثل هذه الحوادث الغريبة العجيبة هي التي جعلته يؤمن باللامعقول. أي بالشيء الذي لا يفهمه العقل ولكنه يحدث كثيرا أو بعبارة أخرى. ليس كل ما " لا " يعرفه العقل غير الصحيح، وإنما هو صحيح ولكن العقل " لا " يستطيع أن يفهمه.

أو بعبارة أخرى. ليس كل ما تعجز يدي عن حمله غير موجود. وإنما هناك أوزان ثقيلة جدا لا تقوى على حملها إلا الطائرات. ولكن يدي لا تستطيع . أو بعبارة أخرى هناك موجات أصوات لا تستطيع أذني أن تلتقطها، مثل الموجات الإذاعية والتلفزيونية. ولكن هناك أجهزة قادرة على ذلك. فهل معنى ذلك أن كل ما تعجز عنه عيني و أذني ويدي، يعتبر غير موجود؟ إنه نفس المعنى و نفس القضية.

في الريف عندنا حكايات كثيرة من هذا النوع. ففي مدينة فارسكور كان يعيش رجل اسمه عم عبد الله الزهيري. وكان يطلق على نفسه أسماء كثيرة. فتارة هو عم عبد الله ومرة عم عبد الدايم. ومرة شيخ حسين. وكان يظهر في المنصورة وفي فارسكور وفي دمنهور. وكان يعرف بأنه أناس كثيرون. وأنه شخصا لا يعرف بالضبط من هو الآن.

عم عبد الله كان يجلس تحت شجرة وتجيء نساء القرية كلها. واحدة تتوحم أي تقول نفسي في مشمش. ولا يكون ذلك أوان المشمش. فيقول لها: حاضر. ويحضر المشمش. ويطلب إليها أن تمد يدها تحت جلبابها. فتجده. وتقول واحدة: أريد سكر نبات. يقول لها: حاضر. ويحضر لها سكر النبات. وتقول واحدة: أريد قطعة من الجبن الرومي. ويقول: حاضر. وتجد المرأة ما تريد.

في إحدى المرات وقد روى هذه القصة د. عبد العزيز الشهاوي في كتابه " عجائب الروح " طلبت عروس إلى عم عبد الله هذا: يا عم عبد الله. لقد تزوجت منذ خمسين يوما.

فيقول لها: أعرف.

تقول له: ولكني لست من هذه البلاد. إنني من الإسكندرية.

فيقول لها: أعرف. وتسكنين في بيت رقم كذا في شارع كذا. وزوجك اسمه كذا. وأنت تعتقدين أنه لا يحبك. وأنك وحدك التي تحبينه.

فتقول له: تماما يا عم الشيخ.

يقول لها: إنه يحبك. وأنت راحته في هذه الدنيا. وأنت السر الكبير في حياته. وإنه حريص عليك حرصه على نفسه وعلى أن تظل هذه العلاقة حتى الموت. فأنت لا تعرفين قدرك عنده. ولم يعرف أحد قدرك ومزاياك إلا هذا الرجل. صدقيه لكي تستريحي ويستريح هو أيضا. خذي هذه يا ابنتي.

تمد العروس يدها لتجد ورقة مكتوبا عليها اسم صلاح.

تقول له: من هذا يا عم عبد الله؟

فيقول لها: أنت حامل. فإذا جاءك ولد فاجعل اسمه " صلاح " قومي يا أم صلاح. عودي إلى بيتك والرجل الذي يحبك.

قبل عم الشيخ عبد الله هذا بخمسين عاما وفي مدينة لندن جلس عدد من العلماء حول فتاة وسيطة لها شهرة في تاريخ الروحانيات اسمها أنيس نيكول. الغرفة مظلمة تماما. إلا من مصباح خافت. بعيد في أحد الأركان. والذين حولها عشرون. والفتاة هدأت ثم راحت تتنفس بصوت عال. وفجأة دخلت في حالة إغماء. وبدأ لونها يزداد شحوبا، والعرق ينزل قطرات كبيرة من جبينها. وفجأة وأمام الحاضرين جميعا سقطت من القف على المنضدة، كومة من جميع أنواه الزهور. ولم يكن ذلك أوانها. إنها كزهور الربيع. وكان الوقت شتاء باردا جليديا.

امتدت الأيدي تتلمس الزهور. إنها طازجة، كأنها قطفت من أشجارها توا. وعليها قطرات الندى. ورائحتها قد ملأت الغرفة تماما. وفجأة مرة أخرى وجدوا في أركان الغرفة شجيرات بلوط ارتفعت حتى للسقف. وامتدت الأيدي الخائفة تتلمس أوراقها وأغصانها. إنها حية. ولم تكن أوراق هذه الأشجار في ذلك الوقت من السنة منتعشة هكذا. فجأة اختفت كل هذه الزهور. وكل هذه الأشجار. وصحت الوسيطة النائمة.

أعيدت هذه الجلسة عشرين مرة. وفي كل مرة يرى الناس شيئا عجيبات من الزهور والطيور والأشجار والأطعمة. ولكن الجديد بعد ذلك أنهم عادوا بالزهور والطيور إلى بيوتهم وتناولوا الأطعمة الحقيقية الباردة والساخنة كما يريدون. فلم تكن هذه الوسيطة بعد ذلك تأتي بما تريد هي. وإنما بما يطلبه منها الحاضرون. تأكيدا لصحة ما تقوم به. وأنها لم تخدع أحدا. وإنما ما يجري أمامهم صحيح ملموس.

في ذلك الوقت ظهر عالم إنجليزي كبير، وهو كبير وعظيم بكل مقاييس العظمة العلمية في العالم. إنه مع العالم الكبير جدا تشارلز داوروين قد اكتشف نظرية التطور أو البقاء للأصلح من الحيوانات. هذا الرجل هو د. الفرد رسل والاس.

اهتم العالم الكبير والاس بهذه الظواهر الغريبة وهو في العشرين من عمره. فقد عاصر ظاهرة التنويم المغناطيسي. وانشغل بها. ولم يجد لها تفسيرا علميا. ثم سافر إلى المناطق الاستوائية. ورأى البدائي عن القبائل الاستوائية. ورأى كيف يستطيع ساحر القبيلة أن يصنع أشياء لا يعرف العقل كيف يفسرها حتى يصدقها.   

رأى ساحر القبيلة مثلا يمسك الأرنب وينفخ فيه فإذا هو أسود بعد أن كان أبيض. ثم ينفخ فيه مرة أخرى فإذا هو يرتد إلى لونه الأصلي. وساحر القبيلة واقف عريان أمام الجميع. فليس في الإمكان أن يخفي شيئا في ملابسه. ثم وجد ساحر القبيلة وقد جاءته امرأة مشلولة لا تقوى على الحركة. وإذا هو يمر بيديه على جسمها. ويصب عليها بعض قطرات الماء. ولا تمضي لحظات حتى تنهض السيدة تمشي على رجليها. والطبول تدق فرحة لهذا الحادث العجيب.

تقدم والاس لأحد السحرة بعصا وطلب إليه أن يغير لونها. وكان ذلك مستحيلا لأن العصا من المعدن. وأمسكها ساحر القبيلة فجعلها في لون الفضة ثم في لون الذهب. ثم جعلها من الزجاج. كل ذلك في لحظات. وطلب إليه والاس أن العصا وأن يترك له هذه العصا ويتركها له حتى يوم التالي. وفعل الساحر ذلك. وفي كل يوم يذهب والاس إلى الساحر القبيلة ليعطي للعصا لونا آخر. وفي آخر يوم طلب إلى والاس أن يعطيه قطعة من القماش وقدمها له. وتحولت العصا إلى مسحوق ناعم.

حار والاس في ذلك. ولم يهتدي إلى شيء. وكل الذي خطر له هو أن هناك قوة غير مفهومة عند بعض الناس. ولكن كيف توجد فيهم؟ كيف يكتشفونها في أنفسهم؟ كيف يستخدمونها؟ كيف نشرحها للناس. كيف نجد الدليل العقلي العلمي على ذلك؟

لم يهتدي إلى شيء. ولكنه كان يتلقى خطابات من أصدقائه في لندن يؤكدون له أن ظاهرة الروحانيات قد انتشرت بين الناس. وأنها لم ترح الناس، وإنما ضاعفت قلقهم وفزعهم، وفي نفس الوقت يتطلع الناس إلى رجل في مثل علمه وعقله أن يشرح لهم ذلك؟

أرسل د. والاس خطابا إلى خطيبته يقول لها: " حبيبتي. اعذريني فأنا مشغول عنك. ولكني سوف أعود إليك أقوى وأقرب. وسوف نرتبط أعمق ".

ظهر عالم كبير اسمه كروكس. وهو أيضا من العلماء العظام. وكلمته لها وزن. واجتهاداته تلقى الاحترام. فقد كان واحدا من الذين شاهدون جلسات تحضير الأرواح. ورأى شيئا جديدا. رأى الوسيطة قادرة على أن تستدعي إحدى الأرواح  فتتجسم أمام الجميع. تبدو كالسحابة البيضاء. وبعد ذلك تتضح معالمهما تماما. حتى تصبح جسما ملموسا له ملامح واضحة. وتتحرك أمامه وأمام كل الحاضرين.

الأستاذ كروكس أيضا قد احتاط لأية خدعة. فكان يدخل الوسيطة هذه في غرفة من الزجاج المحكم تماما. ولكن يفاجأ بأن روحا قد ظهرت تتحرك في مكان بعيد عن الوسيطة التي سقطت على الأرض على وجهها. ويجد أن هذه الروح قد اقتربت منه ووضعت ذراعها حوله. ويلمسها فيجدها لحما بشريا. ويقيس نبضها فيجده 75 ويقيس نبض الوسيطة فيجده 90. ثم يلتفت إلى الروح التي تجسدت فيجدها قد ارتدت ملابس بيضاء. وأطول من الوسيطة، أكثر شبابا وأكثر هدوءا.

في إحدى المرات سأل الوسيطة إن كان في استطاعته أن يلتقط صورا لهذه الروح فوافقت، فأعد خمس كاميرات في هذه الغرفة والتقط 44 صورة تعتبر من أعجب الإنجازات في تاريخ البحث العلمي الحديث.

لم تكن هذه الوسيطة التي استعان بها د. كروكس سوى فتاة صغيرة في الخامسة عشرة من عمرها. لا تعرف سوى اللغة الإنجليزية. ولكنها عندما تصاب بحالة الإغماء فإنها تتكلم اللاتينية واليونانية وبقية اللغات الأوروبية الحية.

أعجب من ذلك أنها تترجم إلى الإنجليزية قصائد للشعراء اللاتين وملحمة هرميروس. ويستحيل أن تكون في ذلك أية خدعة من أي نوع. هكذا يقول د. كروكس.    

أما هذا العالم العظيم سير أوليفر لودج فله قصة من أعجب قصص التاريخ. إنه عالم كبير. لا خلاف على عظمته. ولكن هذا الرجل له حب كبير. فقد قتل ابنه في الحرب العالمية الأولى. وكان موته مفاجأة له. فقد مات بسرعة وفي موقع بعيد عن ميدان القتال. ولكنه قضاء الله. وكما كان ابنه حبه الكبير، فقد كان موته حزنه الأكبر. يقول العالم لودج: " كأن ذراعي قطعت وتدلت من كتفي. كأن عيني فقئت وتدلت على وجهي. كأن قلبي انخلع وألقي تحت قدمي. لقد مات ولدي. ولا أعرف لماذا بهذه السرعة ".

لكن قبل أن يتلقى نبأ مصرع ابنه أرسلت له إحدى الوسيطات رسالة من العالم الآخر تقول فيها: أنت رجل حكيم وليس عليك إلا أن تصبر أمام قضاء الله.

وبعد ستة أيام تلقى نبأ مصرع ابنه. وعرف أنه في اللحظة التي تلقى فيها هذه الرسالة كان ابنه قد مات.

دخل سير أوليفر لودج عالم الروح عن طريق الحب الشديد لابنه. فقرر أن يكون على صلة دائمة به. وحضر جلسات الأرواح ونقل إليه الوسطاء رسائل كثيرة بينه وبين ابنه. وعرف كيف مات وكيف هو الآن. وأصبح لودج هذا حجة في الروحانيات. وحاول أن يفهم وأن يشرح بالضبط ما هذا الذي يجري في هذه الجلسات.

كان الوسطاء عندما يستحضرون روح ابنه، يكون خط الوسيط مطابقا تماما لخط ابنه. ثم أن الوسيط ينقل للأب الحزين أدق الأسرار التي كانت لبينه وبين ابنه. وفي إحدى المرات لم يكن الابن قد صارح أباه بأنه يحب جارته. وطلبت الروح في إحدى الجلسات أن يذهب إلى مكان وسط المدينة، وأن يتجه يسارا فيجد بيتا عند نهاية الشارع، وأن يصعد الدرج إلى الدور الثالث. وهناك يجد رسالة ملفوفة في ورق تحت مخدة سرير صغير تقول: لقد اتفقنا على كل شيء. أنا فقط الذي أستطيع أن أهبك السعادة، وأنت أيضا. سوف أحبك حتى الموت.

ذهب الأب في نفس اللحظة التي تلقى فيها هذه الرسالة إلى نفس المكان ويجد رسالة بخط ابنه إلى فتاة أحبها. وأصبح من المستحيل عليهما أن يتزوجا بعد ذلك. فكلاهما متزوج.

السير أوليفر لودج كأي عالم مخلص قرر أن يخدم العلم الجديد ـ الروحانيات ـ حيا وميتا. فلذلك ترك رسالة وأوصى بأن تفتح بعد وفاته. وفي هذه الرسالة يطلب من كل الوسطاء أن يستحضروه ليخبرهم ما الذي شاهده بعد الموت، وكيف يمكن الاتصال بعالم الروح.

اتصل الكثيرون بروح أوليفر لودج بعد وفاته سنة 1940. وامتلأت كتب الروحانيين بأحاديثه وحكاياته وتفسيراته العلمية ووصفه للعالم الآخر والحياة بعد الموت.

قبل ذلك في نهاية القرن التاسع عشر وجدنا عالما إيطاليا شهيرا اسمه لمبروزو. هذا الرجل قد تخصص في دراسة الجريمة وملامح المجرمين. ولكنه كان يتشكك في الروحانيات. وكتب مقالات كثيرة يسخر من سخافة الإيمان بمثل هذه الخرافات. وطلب أن يحضر جلسة من هذه الجلسات.

دعوه إلى جلسة. وكانت الوسيطة إيطالية. وهي سيدة ساذجة. واستطاعت هذه الوسيطة أن تأتي له بالفواكه من غير موسمها. وأن تأتي له بالأطعمة وأن تأتي له بأشياء من مكتبه. وكانت المسافة بين المكتب والبيت بعيدة. ولكن الرجل لم يصدق.

أخيرا سقطت من سقف الغرفة ورقة. وهذه الورقة وقعت على رأسه. ومد يده ليجدها آخر صفحة من كتاب ألفه عن الجريمة. ولم يكن أحد يعرف موضع هذا الكتاب ولا مكانه.

ألف لمبروزو كتابا بعنوان بعد الموت ـ ماذا؟ وفي هذا الكتاب يؤكد اقتناعه بأنه يمكن الاتصال بعالم آخر، لا يعرف بالضبط ما هو ولا أين هو. ولكنه مختلف تماما عنا. وأن وسيلة الاتصال به تتم عن طريق شيء ما موجود عند الموتى وموجود عند بعض الأحياء.

أما هذا الشيء ما الذي لمسه لمبروزو ولم يعرف ما هو، فقد اهتدى أحد العلماء الألمان إلى اسمه، واختار له اسم " اكتوبلازم ". أو البلازم الخفي أو السري أو السحري.

معنى ذلك أنه توجد في الإنسان الحي مادة ـ بعض الناس فقط ـ وعن طريق هذه المادة الموجودة عند بعض الناس وعند كل الموتى، يمكن الاتصال والاستحضار والاستدعاء.

هذا العالم الألماني اسمه سترفك نوتسنج. وهذا العالم الألماني لم يضف شيئا جديدا. وإنما وضع أصبعه على تفسير مؤقت. ولكن العلم الحديث يريد أن يعرف كيف يمكن الاستفادة من هذه المادة/ إن وجدت، وكيف يمكن تنميتها بعد ذلك.

في أوت سنة 1975 في مدينة روما جلس عدد من علماء الفيزياء الحديثة حول طفل في الحادية عشر من عمره. والمناسبة هي أن هذا الطفل ظهرت عليه قدرات غير مفهومة. فهم يأتون إليه بصور الموتى الذين لم يعرفهم. من المؤكد أنه لا يعرفهم، فبعضهم مات من مئات وألوف السنين. وقد وضع هؤلاء العلماء كاميرات في كل مكان وأسلاكا كهربية وعدادات ذرية لتسجيل كل ما يمكن أن يحدث لهذا الطفل، أو في هذه الغرفة.

أما الأضواء فكانت حمراء خافتة. وأما الطفل فقد جلس على مقعد خشبي، ومن الضروري أن يكون المقعد من الخشب. ثم قدموا له الصور واحدة واحدة. وتحتها أسماء خاطئة. وبعد لحظات وبعد أن يصاب الطفل بحالة من الإغماء الشديد، يتكلم وهو يقول: هذا هو الفيلسوف سقراط. عاش في أثينا. وزوجته اسمها كذا. وأولاده وتلامذته، وهو يشرح لهم الآن نظرية كذا. هذا هو الإسكندر الأكبر. هذا هو فريدريش الأكبر. هذا هو نابليون.

ثم يعرضون عليه صورا لأناس عاديين من بلاد مختلفة. وبعد أن يروي قصة حياة كل منهم يفاجأ الحاضرون بأن الشخص الميت قد تمثل أمامهم إنسانا بلحمه وملابسه، ولكنه يكون عادة أطول أو أنحف وأهدأ من شخصيته المعروفة. ويلتقطون له عشرات الصور التي تؤكد أنه هو.

قد كتب العالم الفيزيائي الفرنسي الكبير الأمير لوي دبروي في مذكراته يقول: " كانت الجلسة العاشرة. وقد احتطنا لكل شيء، وأرى أنه لا توجد خدعة. وإنما نحن في كل مرة أمام لغز. كيف استطاع الطفل ذلك؟ وما هي قدراته؟ وما حدودها؟ وكيف يتحقق ذلك في كل مرة؟ لابد أن أجيالا من بعدنا سوف تجد تفسيرا ينهي دهشتنا العاجزة ".

إذا فاتحه الناس بالكلام تكلم. وإذا لم يفعل أحد من الناس، فإن الرجل يظل جالسا في مكانه يتلفت حوله. وأحيانا يضحك. وأحيانا يبدو عليه الاهتمام الشديد كأنه يسمع إلى أحدج لا يراه الناس. وإذا نظرت إلى وجهه فإن الوجه أبيض والبشرة لينة ناعمة. والعينين صافيتان. كل شيء يدل علة أن الرجل في منتهى الهدوء وفي غاية الراحة. من أين يستمد هذه السعادة؟ لا أحد يعرف. وإذا نظرت إلى ملابسه. إنها ليست جديدة ولكنها نظيفة. إن ملابسه أقرب إلى الخرق القديمة. ولكنها متماسكة. إن ملابسه تشبه الإنسان الفقير النظيف في نفس الوقت أما حذاؤه فجديد دائما. بل إن الذي ينظر إليه بوضوح يخيل إليه أنه خرج من العلبة الآن. وأن الرجل لم يمش به على الأرض. ويقول الناس: إنه يطير ولا يمشي على الأرض. ويدللون على ذلك بنظافة حذائه.

لابد أن يسأله الناس: كيف حالك يا عم الشيخ؟

حالي عال. كيف حالكم أنتم؟

يضحك ويضحك على حال الناس.

يسألونه: إلى من تتكلم يا عم الشيخ؟

إلى أسيادي وأسيادكم يا بهائم يا حمير يا كلاب يا أولاد الكلاب. ويضحك أنه قال نكتة.

كثيرا ما مضى الشيخ أو رواش يشتم الناس إلى غير نهاية. ولكن إذا شكا أحد من الناس من ألم أو جع، تغيرت معالم الشيخ أبو رواش. وأحس أن ساعة العمل قد أزفت. وأن هذا واجبه. هنا تتغير معالم الرجل. وتصبح حالته عصبية. ويظهر الشحوب على وجهه ويمد ذراعه إلى مكان الألم. فيختفي الألم بإذن الله.

كم أم جاءته قبل الولادة؟ كم طفل اختفت أوجاع عينيه وأسنانه وأمعائه بمجرد أن لسمها الشيخ أبو رواش. كم مرة مد الشيخ أبو رواش يده إلى تراب الأرض واعتصره ثم تركه ينزل سكرا أبيض. أو دقيقا ناعما. أو سمنا أو عسلا. أو دواء. كيف فعل ذلك لا أحد يعرف.

يقول إنه عندما يتكاثر عليه الناس ويرهقونه بطلباتهم، يظهر شيخ آخر يمسك عصا وينهال بها ضربا على الناس، لعلهم يبتعدون عن الشيخ أبو رواش. ولا أحد يعرف اسم صاحب العصا هذا. ولكنه فقط يظهر عندما يشتد الزحام حول الرجل الطيب.

نعود إلى كتاب أسرار الشيخ طنطاوي جوهري من تأليف السيد عبد اللطيف الحسيني يقول المؤلف: في إحدى الليالي وكنا في لأسيوط. جاء رجل يحملونه على ظهورهم. الرجل مشلول تماما. وكان عدد الحاضرين عشرين. يتوسطهم الشيخ طنطاوي. وبدلا من أن يضعوا الرجل المشلول على الأرض برفق، فإنهم ألقوه على الشيخ طنطاوي. وتفادى الرجل المشلول أن يقع فوق الشيخ طنطاوي وإنما تساند عليه ثم نهض الرجل المشلول واقفا. ونهض الشيخ طنطاوي يمر بيديه على كل جسم الرجل. ولم يصدق الرجل المشلول أنه قد شفي تماما، بمجرد أن لمسه الشيخ طنطاوي.

كان الشيخ طنطاوي يتكلم إلى الناس في موضوعات مختلفة، واستأنف الحديث، كأنه لم يحقق معجزة طبية. واقترب أولاد الرجل المشلول يسألون الشيخ طنطاوي: لقد شفيت الرجل فكم ندفع لك؟

كان رد الشيخ طنطاوي: أدفعها للفقراء. إن الله سبحانه وتعالى هو الذي شفاه عقابا لكم. فأنتم تتعجلون موت والدكم يا كلاب. يا أولاد الحرام.

نهض الشيخ طنطاوي غاضبا ومد يده إلى جيب واحد من أبناء الرجل المشلول  وأخرج ورقة كتبوا عليها تنازلا من أبيهم عن كل ما يملك لهم، حتى يحرموا إخوتهم الآخرين من أم أخرى. ثم قرأ الورقة على الناس ومزقها.

يقول الذين رأوا ذلك اليوم: إن هذه الأوراق تحولت إلى غرباء سود. تضرب رؤوسهم. وأصيب جميعا بالفزع. واختفى الشيخ طنطاوي.

كتب الروحانيات بها عشرات الألوف من القصص والنوادر لأناس كهؤلاء والمؤلفون يسجلون هذه الأحداث، ويسجلون معها أسماء الذين شاهدوها كدليل على صحتها.

على الرغم من هذه الحوادث فإن الروحانيات أو التجارب الروحية ما تزال بين الشك واليقين. وما تزال الذين يصدقونها أقل بكثير من الذين يشككون فيها. ولكن في أعقاب الحروب في العالم يزداد فزع الناس وخوفهم. ويزداد خوفهم على الذين فارقهم من الأبناء والآباء. ويتمنى كل إنسان لو استطاع أن يكون على صلة ما، بالعزيز الذي ذهب ولن يعود.

أكثر الذين لديهم هذا الاستعداد الروحي، هم أكثر الناس حزنا. أي أكثرهم شفافية. إنهم أصحاب الآلام الكبرى، والفجائع العظمى. كم من أم نهضت في الليل مفزوعة تقول: يا ولدي.

يكون ولدها قد مات. وتقول إنها رأته. إنها سمعته. إنها لمسته. ولا يكون شيء من ذلك. وتكون الأم المفجوعة صادقة فيما تقول: ولكن الناس يقولون: مسكينة. سوف تفقد عقلها.  إن ألوف الأمهات قد أحسن بذلك، ولكن أحدا لم يقرأ هذه القصص لأن الأمهات لم يؤلفن كتبا. لا توجد أم لم تشعر بابنها البعيد عنها وتقول: إنه مريض. لقد رأيته الآن في عيادة طبيب. ثم تبكي الأم بكاء موجعا. وتمضي أيام وتتلقى الأم خطابا من ابنها البعيد أنه كان مريضا، وأنه ذهب للطبيب. في نفس اللحظة التي أحست به الأم.

كثيرا ما أحست الأمهات والآباء بعد فقد إنسان عزيز أنهم مربوطون به. إنهم يريدون أن يعرفوا كيف حاله الآن. أن يسمعوا عنه شيئا. ولذلك يذهب الناس إلى المنشغلين بالأرواح، وهم في حالة من الشك. ولكن عندما تنعقد جلسة استحضار الأرواح يتلقى الوسيط رسالة من هذا الابن الذي توفي يقول فيها لأمه: إنه بخير. وأن عليها أن تهتم بصحتها وأن تذهب إلى الدكتور فلان فهو الوحيد القادر على علاجها. وأنها إذا لم تذهب، فعلاجها كذا وكذا. وأن الشيء الذي ضاع منها وتبحث عنه موجود في الدولاب أو قد سرقته الخادمة.

يكون كل ذلك صحيحا. ويصبح الاتصال الروحي عادة. ثم عقيدة عند بعض الناس. وعلى الرغم من أن الاتصال بالعالم الآخر قد تغيرت أسالبيه، فإنه لم يتقدم كثيرا.

نحن في الشرق لم نساهم كثيرا في تطوير الاتصالات الروحية، لا بالدراسة ولا بالحصول على معلومات مفيدة. ولكنهم في أوروبا وأمريكا قد تجاوزا الحدود وذهبوا إلى أبعد مما ذهبتا إليه. فبدلا من استخدام السلة التي يضعون في مقدمتها قلما، ثم يمسكها اثنان ويتركانها تتحرك من تلقاء نفسها، وبدلا من الجلوس حول مائدة مكتوب عليها الحروف الهجائية ويضعون أصابعهم على كوب متحركة أمام هذه الحروف وتسجل الكلمات المطلوبة، فإنهم يستخدمون أجهزة التسجيل الالكترونية، والكاميرات الشديدة الحساسية.

لم يعد أحد في أمريكا وأوروبا يخاف من ممارسة الوساطة الروحية. ففي أمريكا حوالي 2500 جمعية مسجلة قانونا. وهناك 480 كنيسة تمارس النشاط الروحي. وفي بريطانيا 350 صحيفة مسجلة و 250 كنيسة.

في بريطانيا كان القانون حتى سنة 1734 يمنع الوساطات الروحية، لأنه كان يضعها تحت مادة الاشتعال بالسحر الأسود. وهذا السحر فيه نصب واحتيال وابتزاز لأموال الناس. ولكن المشتغلين باستحضار الأرواح، لا ينطبق عليهم هذا القانون لأنهم أناس يحاولون أن يعرفوا ماذا يجري هناك ويحاولون أن يفيدوا بعض المرضى، إن استطاعوا.

قال لي ضابط مصري كبير جدا: كنا في سيناء. الدنيا ليل. والصمت رهيب وكنت قد نمت طول النهار. وأشعر بنوع من الراحة والصفاء. ولكن الظلام ونجوم السماء والصمت والرمال شيء رهيب. وكانت السماء قريبة جدا تمثل للإنسان أنه يستطيع أن يمد يده فيلتقط نجومها اللامعة. وفجأة مددت رجلي وذراعي واسترخيت. وشعرت بالسعادة فقد كانت الموسيقى تجيء من بعيد صافية. وكانت إحدى أغنيات أم كلثوم التي أحبها. ومن بعيد رأيت أناسا يركبون الجمال. والخيول. فأدركت أن هذا فرح بدوي. وأن هذه الموسيقى تجيء من هذه الزفة. وأسعدني أن تذهب هذه الوحشة الرهيبة، وأن يتبدل كل شيء إلى زفاف هادئ وجميل.

في اليوم التالي تكرر نفس الشيء، عندما رويت لزملائي ما حدث في الأيام السابقة قفزت نظراتهم كأنني رجل مجنون. فقد كان من المستحيل أن تجيء الموسيقى من أية ناحية. فلا توجد قرى إلا على مسافة عشرين أو ثلاثين ميلا من أي اتجاه. وإذا كانت موسيقى من أي نوع فمن المستحيل أن تصل إلى أذن أحد. وإذا كان فرح وزفاف، فلا يمكن أن يمر بهذه المنطقة الجرداء التي ليست بها طرق.

إذن هذا الذي رآه الضابط الكبير جدا وهو مفتوح العينين، يستحيل أن يكون له وجود حقيقي. ثم إنه لم يكن نائما وإنما في حالة من الشفافية أو التي يسميها الروحانيون حالة جلاء بصري. أي قدرة الإنسان على أن يرى ما لا يستطيع أحد أن يراه.

معنى ذلك أنه رأى مالا عين رأت، ولا أذن سمعت. ولم يعد هذا الضابط الكبير يروى شيئا مما يراه لأحد، حتى لا يتهمه الناس بالجنون.

في إحدى الليالي قال: إن المشهد تغير قليلا. لقد فوجئ بأناس يجرون بسرعة. ولمح بينهم واحدا من إخوته. وكان هذا الأخ مريضا. ثم نقلوه واختفى المريض بين الناس. وأصيب الضابط بفزع شديد لهذه الصورة غير الواضحة التي رآها. وقرر أن يسافر إلى العريش. ومكن العريش اتصل بأهله ليعرف أن أخاه هذا قد مات في نفس اللحظة التي رأى أشباحا تحمله وتخفيه بينهم.

لم تتغير جلسات تحضير الأرواح من ناحية الشكل، وإن كانت نظرة الناس إلى هذه الجلسات قد تغيرت. فالناس ينظرون إلى المشتغلين بالأرواح، على أنهم أناس يبحثون في ظروف صعبة. أو يبحثون عن شيء من الصعب الوصول إليه، ولكنهم لا يعرفون اليأس. ولذلك يجب أن نشجعهم على ذلك. فمن يدري ربما تقدمت العلوم الإنسانية خطوة أخرى من أجل الإنسانية.

شكل جلسات الأرواح. أن يجلس أناس معا متقاربين. وأن يتوسطهم واحد وسيط وهو أكثرهم شفافية، واستعدادا لاستقبال القوى الخفية من العالم الآخر. وهذا الوسيط لديه قدرة خفية تجعله قادرا على أن يتصل به الآخرون من العالم الآخر. فعن طريق الوسيط يمكن الاتصال يمكن الاتصال بالآخرين. والوسيط هنا يشبه الترانسفورمر أي يشبه المحول الكهربائي. الذي يتلقى تيارا كهربيا قويا، فيحوله إلى تيار كهربي عادي جدا. فهو ساخن ملتهب من ناحية، وأقل سخونة من ناحية أخرى. ولذلك فالوسيط يعاني إرهاقا شديدا بسبب هذا الدور الذي يقوم به.

في كل مرة تحل به روح، فإنها ترهقه، لأن هذه الروح تحتاج إلى مادة ما في جسم الوسيط لكي تكون قادرة على الكلام أو الكتابة عن طريقه. هذه الروح تستهلك طاقة الوسيط. ويبدو أيضا أنها تستعين بهذه المادة ما الموجودة في أجسام الحاضرين أيضا ولذلك يشعرون بإرهاق شديد.

يمكن أن يقال ذلك بعبارة أوضح وأسهل. لنفترض أن جماعة جلسوا بملابسهم كاملة في الهواء الطلق. وجاءهم واحد عريان، فأخذ من كل الحاضرين بعض ملابسهم لكي يبدو واحدا مثلهم. إن هذه الملابس التي أخذها من الآخرين قد جعلتهم يشعرون بالبرودة. إن هذا بالضبط ما يحدث في الجلسات الروحية. فالروح محتاجة إلى شيء ما تأخذه من الحاضرين. فإذا أخذته أرهقتهم تماما.

لكن بسرعة يجدد الجسم الإنساني إفراز هذه المادة الخفية. ويصبح الوسيط مرة أخرى قادرا على استقبال القوى الخفية من العالم الآخر. فيشفون من أوجاعهم. حدث ذلك ملايين المرات. وأمام كل الناس. كيف يحدث ذلك؟ لا أحد يعرف.

إن عددا من المعالجين الروحيين من الفلبين، قد أذهلوا العالم كله. ففي بلاد الفلبين تتوقف الطائرات الذاهبة إلى أمريكا والعائدة منها لترى رجلا أسمر نحيفا قد عصب عينيه. والناس يمرون أمامه. فيضع يده على المعدة أو على القلب أو على الظهر أو على المفاصل بسرعة غريبة. وبعد لحظات يشفى كل إنسان من مرضه.

إنه لا يعرف أمراض أحد. إن يده تمتد إلى مكان الداء. ويمر الناس أمامه يوميا بالمئات. إن هذا الرجل أيضا يجري عمليات جراحية بأصابعه. يفتح البطن. وينزل منه الدم. ثم يحرك أصابعه في داخل البطن ثم يمر بأصابعه على البطن المفتوح  ويعيده على ما كان عليه.

يحدث هذا الآن في اندونيسيا. والمجلات الطبية الأمريكية تصف ذلك بالتفصيل والأطباء والعلماء أكثر دهشة من المرضى. وقد صوروا الرجل وأصابعه. لا شيء غير عادي. أصابعه عادية. ولكن الشيء غير العادي. كيف يفتح البطن بأصابعه، ثم كيف يعيده كما كان. وكيف يمشي الناس على أرجلهم بعد ذلك دون أن يصاب أحد بتلوث أو تسمم أو دون أن يموت الناس. إن هذا المعالج الروحي الفلبيني لا يستخدم الأدوات المعقمة ولا غرف الإنعاش. إن هذا يتم يوميا أمام الناس بعدساتهم وعيونهم المتشككة.

كما أن الروح تحتاج إلى مادة خفية في جسم الإنسان، لكي تكون قادرة على الاتصال به. فإن هذه المادة الخفية هي التي تستخدمها الأرواح في علاج الإنسان وشفائه من أمراضه. ولذلك فهؤلاء الوسطاء يمرون بأصابعهم على المرضى وفي البرازيل معالج روحي شهير جدا اسمه خوسيه أريجو. لقد افتتح مستشفى ويعالج الناس مجانا. ويقول خوسيه إنه يستعين بأرواح أعظم الأطباء في العالم. إنهم يشخصون المرض ويوجهون يديه وأصابعه. ويكون الشفاء بعد ذلك بإذن الله.      خوسيه يستخدم سكينا ولا يشترط أن تكون معقمة. بل إنه يطلب إلى الناس أن يأتوا بالسكين معهم. وبعض الناس يحرص على أن تكون السكين قذرة ولكن خوسيه قبل أن يجري عملياته. يمر بأصابعه على السكين فتتحول من أسود إلى أبيض. ومن نحاس أصفر إلى نحاس أبيض. ومن غليظة إلى حادة. كل ذلك في لحظات. ثم ترتعش السكين في يده. وتمشي في جسم الإنسان بسرعة خاطفة. ثم يمر ببطن السكين èعلى المكان الذي فتحه، فإذا هو ينسد ويعود إلى ما كان عليه. وهناك صور وأفلام لذلك. تؤكد أنه لا خدعة، ولا نصب ولا احتيال.

في بريطانيا رجل اسمه هاري ادواردز، هو أشهر المعالجين الروحين في العالم كله. إنه رجل أشقر ضخم. يفق في حالة غيبوبة والناس يمرون أمامه. ويشعر الناس، لحظة واحدة، بما يشبه الصدمة الكهربية. بعدها يشفون تماما من أي وجع ومن أي مرض.

إن هاري هذا يمد يده إلى بطن المريض وهو ويخرج منه كيسا ذهنيا. أو يخرج منه جلطة دموية. أو يخرج منه حصاة، كل ذلك في لحظات والناس يتفرجون.

قد جاء في كتاب من تأليف الطبيب د. المر رودرج يقول: ذهبت إليه متنكرا واخترت مرضا يصعب تشخيصه أو علاجه بهذه السرعة. ولم يسألني عن مرضي. ولكني أنا الذي شخصت له مرضي وطلبت إليه أن يعالجني. فلم أكد أقترب منه حتى صفعني على قفاي. ووجدت نفسي ملقى على الأرض. فقد تضايق من أنني كذبت عليه.

يقول الطبيب: ذهبت إليه بعد ذلك دون أن أشخص له مرضي، ووجدته قد وضع يده على عمودي الفقري يمر بها صعودا وهبوطا عدة مرات. وأحسست لعدها أنني أحسن حالا. فقد كنت أشكو من أعراض انزلاق غضروفي. ولا أجد أي سبب يدفعني إلى تكذيب هذا الرجل، صاحب القدرات الخارقة على العلاج والشفاء أيضا.

كثيرا ما جلس الوسطاء يسجلون قصائد لشعراء ماتوا، هؤلاء الوسطاء لا يعرفون الشعر ولا يتذوقونه. أو أنهم وسطاء أميون ليس في قدراتهم أن ينظموا قصائد وينسبوها إلى الآخرين.

إن وسطاء مصريين قد سجلوا مسرحيات لشوقي وقصائد لحافظ. بل إن بعضهم سجل قصائد لمجنون ليلى. صحيح أن هذه القصائد لا ترقى إلى مستوى قصائد هؤلاء الشعراء التي نشروها وهم أحياء. ولكن بعض هذه القصائد قريب جدا من روح الشاعر. وبعض النقاد يؤكدون أنها لا تختلف في شكلها ومعناها عن قصائد الشاعر الحقيقية.      

من أشهر الوسيطات في أوروبا سيدة كانت تستحضر أرواح كبار الموسيقيين. وهي لا تعرف الموسيقى. أي لا تعزف ولا تعرف كتابة النوتة الموسيقية.

 هذه السيدة كانت تستحضر روح بتهوفن. فإذا جاءت ذهبت إلى البيانو وراحت تدق بمنتهى العنف والسرعة المذهلة. وتؤدي مقطوعات معروفة. ومقطوعات جديدة أوحى بها بتهوفن نفسه. وقد نشرت هذه السيدة كتابا يضم مؤلفات جديدة لكبار الموسيقيين الذين ماتوا. وقد ظلت هذه الوثائق من عجائب الوساطات الروحية. فقد ضمت أعمالا موسيقية كاملة رائعة.

هذه السيدة يعرفها المشتغلون بالموسيقى العالمية واسمها روز ماري براون. وأهم مؤلفات هذه السيدة موسيقيا كتاب اسمه سموفونيات ناقصة. وفي هذا الكتاب صفحات كاملة بخط الموسيقيين العظام، لأنها من وحيهم. أو من تأثير أرواحهم عليها.   

في الكتاب موناقشات بين بعض النقاد وبين أرواح بتهوفن وباخ وشوبان وليست وتشايكوفسكي ومانيتوف وغيرهم. والمناقشات حول موضوعات متخصصة جدا وشخصية جدا. وهذه السيدة مستحيل أن تعرف أي شيء. لأنها ليست متخصصة بل جاهلة تماما بعلوم الموسيقى والتأليف الموسيقي والغناء.

إذا كان بعض الناس عندهم هذه الشفافية الروحية، أي القدرة على استقبال الأرواح أو الإحساس بها أو رؤيتها أو سماعها. فإن هناك أناسا عندهم القدرة على تجسيد الروح.

فهذا الضابط المصري الكبير الذي تحدثت عنه أول هذا المقال عنده استعداد هائل لأن يكون وسيطا بل إن الذي رآه، إما أن يكون قد رآه فعلا، وذلك لأنه كان في حالة شفافية. وإما أن يكون في حالة غيبوبة، أي غياب عن الوعي وحلت به إحدى الأرواح فأصبح قادرا على الرؤية.

ثم إنه رأى شيئا حدث لأخيه في مكان بعيد عنه. أي أنه استطاع أن يرى شيئا أمامه، وأن يرى شيئا بعيدا عنه. ولكن هناك من هم أقدر من ذلك باستخدامهم الأرواح، في التأليف الموسيقي والشعر، وفي العلاج. ولكن ما تزال هناك قدرات خفية أعظم عند بعض الناس. كما سوف نرى.


من ذا الذي يدق ولا أحد يراه؟

إن رغبة الإنسان غريبة جدا في أن يعرف أين يذهب الموتى. وكيف وبعد الحياة ماذا هناك. وهل يعيش الأموات حياة أخرى؟

هناك نوع آخر من القدرات الخفية عند بعض الناس. هذه القدرات وعن طريقها يمكن الاتصال بالعالم الآخر. أي بعالم الذين كانوا معنا، ثم اختفوا بالموت.

فهل صحيح هناك عالم آخر؟ هل صحيح أن الموتى، أو الأرواح الموتى يمكن أن نتصل بها؟ هل صحيح أنه توجد أشكال أخرى لهذا الاتصال غير أن نراهم في الأحلام؟ هل صحيح أن بعض الناس يشعرون بموتاهم. بوجودهم بشكل ما، معهم في بيوتهم أو في فراشهم.

ألم يحدث أن تقول إن فلانا الله يرحمه قد هف علي. بمعنى أنك تذكرته فجأة. وبعد ذلك بلحظات تفاجأ بأن أحد من أولاده يخبرك بأن مقبرته قد إنهدمت. أو أنه ترك لك خطابا. أو تذهب أنت لزيارة مقبرته فتجد طفلة أو سيدة تبكي عليه. وتفاجأ بأن هذه السيدة كانت تربطه بها علاقة ما. كأن تكون ابنته من زوجة أخرى. أو تكون أخته. أو إحدى قريباته. وأنها في حاجة إلى مساعدتك.

إن رغبة الإنسان قديمة جدا في أن يعرف أين يذهب الموتى؟ وكيف؟ وبعد الحياة ماذا هناك؟ وهل يعيش الأموات حياة أخرى؟ وهل هذه الحياة الأخرى تختلف عن حياتنا هذه؟

من المؤكد أنها تختلف. فنحن في هذه الحياة نعيش بأجسادنا، وأمراض أجسادنا وشهواتها وطموحها وتزاحم بعضنا البعض على الرغيف والمال والقوة والجنس. هذا طبيعي. ولكن إذا تجردنا من لحمنا. من عظامنا. من هذا الجسم كله، هل ما تزال رغباتنا كما هي؟ هل نشتهي الطعام وليس لنا فم؟ هل نشتهي الهواء وليس لنا صدر؟ هل نحب ونكره وليست لنا أحشاء.؟ هل نتزاحم من أجل المال والقوة ونحن لم نعد في حاجة إلى مال أو القوة. 

إن أحدا من الذين ذهبوا لم يعد. ولذلك فنحن لا نعرف ماذا بعد الموت. وإن كنا نتخيل ذلك. إن كانت الكتب السماوية تحدثنا عن الموت وعن البعث وعن الجنة وعن النار. وعن الحياة في الجحيم والنعيم. وأن الطريق إلى الجنة والنار يبدأ بهذه الحياة. ولكن أحدا لم يقل: ماذا أصابه وكيف؟

لكي نعرف شيئا من ذلك. فلابد أن يحدثنا أحد. أما كيف يحدث، وكيف يقول لنا ذلك؟ فذا ما تعرفه عن طريق بعض الناس ذوي القدرات التي تمكنهم من الاتصال بالعالم الآخر. والفرق بين هؤلاء الناس وبيننا نحن، كالفرق بين صندوق خشبي فارغ وبين صندوق خشبي به راديو. أي به جهاز استقبال. فالراديو عنده الحساسية الخاصة القادرة على تلقي الأصوات التي تجيء من محطات إذاعية أخرى.

بعض الناس عندهم هذه القدرة. وهناك ألوف التجارب التي تؤكد هذا المعنى. أي أنه يمكن الاتصال بالعالم الآخر. ولكن كيف؟ إننا نعرف كيف يمكن ذلك. وإن كنا لا نعرف لماذا يحدث هذا لبعض الناس بعض الوقت. وهناك اجتهادات كثيرة في تفسير ذلك. وإن كانت الاجتهادات لم ترتفع إلى مستوى النظريات العلمية الواضحة. وهي لن ترتفع إلى هذه الدرجة المؤكدة، لأن هذه الاتصالات ما تزال حديثة. ولأن العلم الحديث، ما تزال وسائله في معرفة ذلك، قاصرة أو عاجزة.

أنا وأنت لا نستطيع أن نرى أبعد من كيلو متر. والذي تراه ليس واضحا. فنحن نستطيع أن نرى شجرة. وتكون الرؤية غير واضحة. ولكن لو كان معنا صقر أو نسر فإنه يستطيع أن يرى كل أوراق الشجرة، بل إنه يستطيع أن يميز دودة القطن من دودة القز إذا كانت على ورقة من أوراق هذه الشجرة.

معنى هذا أن قدراتنا نحن البشر على الرؤية أقل من قدرة الصقر. وقدرتنا على الشم أقل من الذئب، وقدرتنا على السمع أضعف من قدرة القط. وقدرتنا على الجري أقل من قدرة النمر.

فالقدرة الإنسانية محدودة، ولذلك فنحن نقول: إن الذي لا نراه ليس موجودا والذي لا نسمعه لا وجود له، والذي لا نشمه لا أثر له.

أما الحقيقة فغير ذلك. فهناك أشياء كثيرة موجودة رغم أننا لا نراها ولا نسمعها ولا نشمها. وهي موجودة عند بعض الكائنات التي لها قدرات أعمق وأبعد وأعظم.

وكذلك بعض الناس عندهم هذه القدرات على أن يروا ويسمعوا مالا نستطيع. وهذا ما تحدثت عنه في كل المقالات السابقة. وأضيف إلى ذلك أن عددا آخر من الناس لديهم قدرة على الشعور بالعالم الآخر. وعلى الاتصال به وتسجيل ذلك بالصوت أو الكلمة أو بالحركة.

من أشهر الحوادث في تاريخ الاتصال بالعالم الآخر ما حدث في نيويورك سنة 1848. إنها حادثة صغيرة. ولكنها كانت البداية لعلم الروح، أو للدراسات الروحية.

إنها أسرة صغيرة مكونة من ثلاث بنات. وواحدة منهن سمعت دقا متواليا على النافذة. ولم يكن هناك من يفعل ذلك. وجاء الأب وحاول أن يعرف السبب فلم يستطع. وجاءت البنت وراحت تصفق بيديها ثلاث مرات. وبعد أن فرغت من التصفيق سمعت صوت التصفيق ثلاث مرات، ولكن متأخرا جدا.

جاءت الأخت الثانية وفعلت نفس الشيء. وكان صدى دقات هذه الأخت أقوى من الصوت نفسه. ولم يفلح أحد في أن يفهم بالضبط ما هذا الذي حدث. وفوجئ الأب والأم والفتيات الصغيرات، بأن الصوت يدوي في إحدى الغرف دون أن يفعل أحد منهم شيئا.

حاولت الأسرة أن تشرك معها أبناء المدينة في مشاهدة ماذا يحدث. وجاء الناس وسمعوا. وانتشرت الأخبار في كل مكلان. وانفتح باب التكهنات والاجتهادات. وقيل يومها أنها روح واحد قتل تحت هذا البيت. وإن هذه الروح تحاول أن تكشف عن نفسها. لعل أحدا ينتقم لها من القاتل. واقتنع الناس جميعا بأن هذا هو السبب الوحيد. وحفروا الأرض. وأخرجوا من تحتها بقايا جثة وبعد 56 عاما أعيد الحفر، وأعيد البحث عن الجريمة. وتأكد للناس أن ما حدث صحيح.

هذه الأسرة الصغيرة دخلت التاريخ تحت اسم بنات فوكس ـ أبوهم اسمه فوكس.

تطورت وسائل الاتصال بالعالم الآخر بين هذه الأسرة. فكانوا يجلسون في أية غرفة ويقولون: أيتها الروح إن كنت تحبين أن نتصل بك فدقي مرة واحدة وإن كنت لا تحبين فدقي مرتين.

كانوا يسمعون. دقة واحدة.

ويمضي الحوار: هل أنت قتيل؟

يسمعون دقة واحدة.

هل أنت حزين لذلك؟

دقة واحدة.

هل تريد أن نكشف قصتك للناس.

دقة واحدة.

كيف؟

لا صوت.

هل نأتي لك بالحروف مكتوبة على الورق. ونعرض عليك الحروف واحدا واحدا. وكلما أمسكنا حرفا سمعنا دقة واحدة فيكون ذلك موافقة منك على صحة هذا الحرف. ثم من هذه الحروف تتكون الكلمات التي تريدها. أو الرسالة التي تريد أن تبعث بها إلى أي أحد من الناس. دقة واحدة كالرعد. و استنتجوا أنه سعيد بهذا الاكتشاف أو بهذه الطريقة التي تنقل أفكار هذه الروح إلى عالمنا في منتصف القرن التاسع عشر.

لقد اتخذ المشتغلين بالأرواح من يوم 23 نوفمبر سنة 1904 اليوم العالمي لبداية الاتصال بعالم الأرواح. ففي الأيام اكتشفوا الجثة الكاملة للقتيل الذي اتصلت روحه ببنات فوكس قبل ذلك.

وقد تطورت وسائل الاتصال وكثر الكلام ـ كلام الأرواح مع هذا العالم، عن طريق أو بواسطة عدد من أصحاب القدرات الخفية على تلقي رسائل العالم الآخر.من الأحداث الهامة في تاريخ عالم الروح أن إحدى بنات فوكس قد أفلحت في أن تجعل صحفيا شهيرا يرى زوجته التي ماتت قبل ذلك. وأن يقرأ رسالة بخطها. وقد أكد الرجل أن هذه خطها تماما. فقد جلست إحدى بنات فوكس في بيت الصحفي و حولها عدد من المتفرجين. وهدأت الفتاة بعض الوقت ثم راحت في غيبوبة. وفي هذه الغيبوبة تغيرت معالم وجهها تماما وتغير صوتها. ثم أمسكت  

قلما وورقا وراحت تكتب ما تسمعه في أذنها هي. أما هذا الصوت الذي تسمعه هي وحدها فهو للزوجة التي ماتت. وأملت عليها رسالة. والرسالة موجهة إلى الزوج. وفيها تحدثه في موضوعات خاصة لا يعرفها أحد سواها هي وزوجها. أما الخط فيؤكد الصحفي الأمريكي أنه مطابق تماما لخط زوجة.

في الجلسة رقم 43 في بيت الصحفي تجسدت أمام الجميع صورة واضحة للزوجة ويؤكد الزوج والحاضرون أنها كالزوجة تماما. وأعلنت الزوجة في هذه الجلسة أنها لن تظهر له بعد ذلك. وهذا ما حدث.

هذه الجلسة لها أهمية خاصة عن المشتغلين بالدراسات الروحية. ففيما أمكن الاتصال بالعالم الآخر بطرق مختلفة ومتعددة. وأمكن أيضا أن يسمع الحاضرون جميعا عبر ابنة فوكس.هذه الأصوات القادمة من العالم الآخر. وكذلك أمكن أن يروا ما رأته هي. في حين أن المألوف هو أن ترى هي ما لا يرون، وتسمع هي مالا يستطيع أن يسمعه أحد.

لكن إذا كان هناك جماعة من الناس يجلسون في مكان واحد، وكان  بينهم واحد فقط من الذين عندهم هذه القدرة الخاصة، فإن وجوده يجعل من السهل على الآخرين أن يروا ويسمعوا.

هذا ما حدث مع بنات فوكس. فوجود واحدة منهن في أي مكان يجعل الآخرين قادرين على الاستماع أو على الرؤية. ولا تحدث الطرقات على الباب أو على النافذة إلا في حضور هذه الفتاة.

مثل هذه الفتيات يتمونها الوسيط أو الوسيطة. أي الشخص الذي عن طريق جسمه أو عقله يمكن أن تصلنا رسالة من العالم الآخر. فكما أن الماء يمشي في المواسير، فالكهرباء تمشي في الأسلاك، والأصوات والأضواء تنقل في الهواء، فكذلك أرواح العالم الآخر لا تتحرك أو لا تتكلم إلا عن طريق هذا النوع الخاص من البشر. 

تعرضت هذه الاهتمامات الجديدة إلى عدد كبير من النصابين والمحتالين. ولا تزال. ولكن اهتمام الناس بالعالم الآخر لم يتوقف. بل إن هذا الاهتمام يشغل الغرب والشرق. بل إن هناك تجارب عديدة في الدول الشيوعية الملحدة التي لا تؤمن لا بالله ولا بالقيامة ولا بالقرآن وزلا بالرسول، ولا بالحياة بعد الموت. أما مصدر هذا الاهتمام فهو راجع إلى الرغبة في فهم هذه الأشياء الغامضة التي تحدث لبعض الناس. لعل هذه المعرفة ما يؤدي إلى اكتشاف الجانب الغامض من الإنسان.

كل هذا يدل على أن العقل ليس هو الحكم النهائي في كل شيء. فهناك أمور تقع كل يوم ولكن العقل لا يعرف كيف يفسرها. والعقل يستمد معلوماته من حواسنا، وحواسنا محدودة. ولذلك فالعقل نفسه محدود.

أما هذه الحوادث الغريبة، فالعقل لا يدري كيف يفسرها وإن كان يحاول. وإذا لم يوفق في تفسيرها الآن، فليس معنى ذلك أنه سيتوقف عند هذا الحد. وإنما سوف يحاول ولسوف يهتدي فيما بعد بعشرات أو مئات السنين.

هناك حوادث معروفة في تاريخ علم الروح من بينها ما حدث لرجل اسمه هوم. عاش في آخر القرن التاسع عشر. هذا الرجل قد ظهرت عليه هذه الصفات العجيبة. فهو إذا جلس في أي مكان سمع الناس طرقا على الباب أو على النافذة. ويحاول الناس أن يقفوا وراء النوافذ والأبواب ليتأكدوا بأنفسهم إن كان هناك أحد. ولكنهم لا يجدون إلا أنفسهم، ويستمر الطرق على الباب أو النافذة بعنف.

قد طردته زوجته وابنه من البيت خوفا وفزعا. وكان هذا الشاب يعيش على موائد الكرام الذين يريدون أن يتسلوا بهذه الحوادث الغريبة. ولكن هذا الشاب هوم قد تطورت قدراته لدرجة أنه كان يطلب إلى الناس أن يجلسوا معا. ثم يطلب إليهم أن يفتحوا النافذة. وفجأة يجدونه يصعد في الهواء. ويدخل من النافذة برأسه ويكون أفقيا. ويخرج منها. ثم يعود إليهم مرة أخرى. فإذا أفاق كان في حالة نفسية وجسمية عنيفة. فهو يسيل عرقا وفي غاية الشحوب. لماذا وكيف حدث ذلك؟ إنه هو لا يعرف. وقد وصف حالته هذه بقوله:

فجأة أحسست أن هواء يهب على وجهي. وأحسست أن الهواء يتسلل إلى داخلي ثم يملئ نفسي ويهزها بعنف. وإذا بي أسمع من يقول لي في داخلي: حانت ساعة العمل. الآن. استعد. ثم إنني لا أعرف بالضبط ماذا حدث. وأشعر بشيء من الخفة والارتياح. وكأنني كنت أحمل آلاف الأطنان وبسرعة سقطت عني كل هذه الأوزان الثقيلة، فإذا بي خفيف رشيق. كأنني لم أعد شيئا مطلقا.

جاء في كتاب النور الخفي عن العيون. للشيخ عبد الرحمان عثمان نور من المنصورة. كنا في مدينة فارسكور وكان الطريق إليها صعبا. وركبت حماري وورائي ثلاثة آخرون قد ركبوا حميرهم. وكنا نتحدث عن الذي أصاب أحد أقاربنا فقد غرقت زوجته في النيل منذ شهر. وسقط ابنه في الساقية ومات. وبعدها بأيام داست جاموسته أحشاء طفله الصغير. وكان الحزن غالبا علينا. وإن كنا نؤمن بقضاء الله وقدره فإن هذا لا يمنع أن يحزن ويبكي على الذين فارقونا من الأحياء. ثم سادت لحظة صمت. وفجأة لاحظت أن واحدا من الذين معنا كان يجلس فوق الحمار بشبرين. ثم نظرنا إليه. فوجدناه يعلو ويعلو. ولما حاولنا أن نشده لم نستطع وبعد لحظات عاد الرجل إلى مكانه على ظهر الحمار.

يقول الشيخ عبد الرحمان نور من علماء الدين: وحمدت الله سبحانه وتعالى أنني لست الوحيد الذي يستطيع ذلك. فقد دخاني الغرور وظننت أن الله قد أعطاني ما لم يعطه لأحد من الناس. فكثيرا ما وجدت نفسي فوق السرير بعشرة أشبار ولا أعرف لماذا. وكنت أخاف أن يعرف الناس ذلك. ولما وجدت صاحبنا جالسا عاليا عن الحمار. تركت نفسي فارتفعت إلى مستواه. ولم نستطع أن نتكلم. ولما رآنا بقية الناس هربوا وتركوا حميرهم. ولا تمضي لحظات حتى نعود إلى مكاننا على ظهر الحمار. وقد أرهقنا التعب وأغرقنا العرق. ولا نعرف لذلك سببا. والله أعلم.

من أشهر الحوادث في التاريخ أيضا ما جرى للملكة فيكتوريا. فقد كانت مثل ملكة هولندا الحالية وهتلر، تؤمن بالأرواح والاتصال بها. وقد توفي الأمير ألبرت زوج الملكة. وفوجئت الملكة في يوم من الأيام بأن إحدى الصحف قد نشرت هذا الخبر.

أحد الوسطاء قد تلقى رسالة من العالم الآخر. الرسالة من المرحوم الأمير ألبرت. إنه يريد الاتصال بالملكة وأن يبلغها شيئا خاصا.

فرحت الملكة فيكتوريا بهذا النبأ وأرسلت اثنين من رجالها لحضور جلسة استدعاء روح الأمير. وكتب الوسيط الرسالة. وفوجئت الملكة بأن خط الوسيط يشبه خط الأمير إلى حد كبير. ثم إن توقيع الأمير لا يعرفه أحد سواها. وبعد ذلك طلبت الملكة من هذا الوسيط أن ينتقل إلى الإقامة في داخل القصر. وكان هذا الوسيط ينقل إليها يوميا رسائل من زوجها المحبوب كل يوم. ولكن روح الأمير طلبت إلى الملكة إنه يفضل رجلا آخر. هذا الرجل هو خادم في أحد قصورها. ولكن هذا الخادم كان شرسا وكان وقحا في معاملته للملكة.

بدأت الشائعات تملأ بقية قصور الملوك والأمراء والنبلاء. إن الملكة على علاقة بأحط الناس في قصرها. وأنها لا تختار الخدم. ولا تحب إلا الجلوس إليهم والإنفراد بهم في ساعة متأخرة من الليل.

لم يعرف الناس ولا المؤرخون حقيقة هذه العلاقة، إلا بعد أن كشفت الأسرة المالكة البريطانية أسرار وخفايا الملكة فيكتوريا بعد ذلك بمائة عام.

في أمريكا صدر كتاب بعنوان تحرير العبيد كيف ومن الذي أعطاه للرئيس لنكولن سنة 1861 من تأليف الكولونيل كيس. يروي المؤلف أنه كان في مجلس النواب عندما تقدمت سيدة إلى الرئيس لنكولن تقول له: أرجو الاتصال بي في أقرب وقت.

يقول المؤلف: وسألت عن هذه السيدة. وعرفت مكانها. وذهبت وهناك فوجئت بالرئيس لنكولن. ولم يكد يدخل حتى جاءت فتاة مغمضة العينين واتجهت إلى لنكولن. وألقت محاضرة طويلة عن أن الله خلق الناس متساوين وأنه لا سلام، ما لم تكن هناك حرية إلا إذا تساوى الناس جميعا. وقالت له: إن هناك مجلسا روحيا يحكم هذا العالم. وأن هذا المجلس قرر اختيارك في منصبك هذا لتكون جمهوريات كثيرة في العالم. ولتكون حرية بين الناس.

يقول: وفوجئنا بأن هذه الفتاة قد أفاقت. ولما عرفت أن الواقف أمامها هو الرئيس لنكولن، أصيبت بحالة من الفزع.

من المؤكد أن الشيخ عبد الرحمان نور لم يقرأ هذا الكتاب ولم يسمع عنه. ولذلك فالحادثة التي يرويها في بيت أحد العمد في مدينة المنصورة تبعث على الدهشة والذهول. فهو يقول إن فتاة صغيرة دخلت بصينية القهوة. وفوجئ الحاضرون بأن الفناجين قد ارتفعت عن الصينية واتجهت نحو الضيوف. والعجيب أن أحدا لم يخف من الذي يراه، وكأنما كان يتوقع ذلك. والحقيقة أن الذهول قد منعهم حتى من التعبير عن الخوف. ثم إن الفتاة كانت مغمضة العينين واتجهت إلى أحد الأطباء الحاضرين وقالت له: فلانة علاجها كذا وفلانة علاجها كذا. وأنت قد اختارك الله لكي تنقذ فلانة التي تلد هذه اللحظة فاذهب إليها. ولما أفاقت الفتاة، ووجدت هذا العدد الكبير من الناس، خافت وراجت تبكي.

ثم أصدر الرئيس لنكولن إعلانه الشهير بتحرير العبيد في 22 سبتمبر سنة 1862، وتم تحرير أربعة ملايين من العبيد. وأصبح هذا الإعلان نافذا من أول جانفي سنة 1863.

قد تناول الكثير من المؤرخين هذا الإعلان الخطير. ولكن من المؤكد أنها قد أثرت في تاريخ شعب، أو تاريخ الشعوب، تماما كما أن اتصال الملكة فيكتوريا بروح زوجها، قد غير سلوكها والكثير من قراراتها الشخصية والرسمية.


لم تعد تقرأ بأصابع قدميها

 

أمل كل إنسان هو أن يهرب من هذا الضيق الذي وجد نفسه فيه. في البيت وفي المكتب وفي أي مكان آخر. ولذلك كان الهرب هو نوعا من الخروج أو الانطلاق إلى أي مكان آخر. فساكن المدينة يهرب إلى الريف، وساكن الريف يهرب إلى المدينة، والجميع يهربون إلى البحر. ويهربون من الحاضر إلى الماضي وإلى المستقبل. ومن الأرض إلى الكواكب الأخرى. ومن الواقع إلى الخيال. ومن قوانين العالم إلى تهاويل الفن. ومن العقل إلى الذوق. ومن كل شيء إلى السحر والسر والذين. إلى الأدب والموسيقى والفن والفلسفة. الكل هارب من شيء إلى شيء آخر.

الأدباء والشعراء أكثر الناس إحساسا بذلك، وأقدرهم على إقامة قصور وجنات في كل وقت. وهم أيضا أكثر الناس شفافية. ولذلك فهم يرون البعيد ويسمعون الأبعد. وينقلون ذلك إلى الناس. ولا يصدقهم الناس. ولكن الناس يستمتعون بموسيقى الكلمة وموسيقى اللون. ويكتفون بذلك. ولكن الشعراء استطاعوا أن يسبقوا العلماء إلى كل المعاني وإلى كل القوانين. ولكن بطريقتهم الخاصة. وهذه الطريقة الخاصة لا يعرفون كيف اهتدوا إليها. أو كيف ركبت فيهم المواهب أو القدرات. لا يوجد سبب واضح لأن يولد الإنسان شاعرا. ولا يولد موسيقارا أو فنانا. لا التربية ولا الوراثة. لا شيء. إنه هكذا.

من العجيب أن العلم الحديث يرى الآن أن كل الخيارات المجنونة للشعراء والفنانين ليست إلا نوعا من التنبؤات العلمية. إن صرخات الشعراء في الليل من أشياء يرونها ويخافون منها ليست جنونا. وإنما هؤلاء الشعراء قد أحسوا بكائنات أخرى غريبة باهرة. ولكنهم لم يفهموها. وإنما أحسوا بها فقط. إن العلم الحديث يؤكد أن هذا الجنون هو منتهى العقل.

إن الإنسانية قد كسبت كثيرا عندما اعتدت على منطق العلماء، وخسرت كثيرا جدا. فليس بالعلم وحده يفهم الإنسان. وليس بالمنطق أو العقل يفهم الإنسان. وليس الفهم هو الوسيلة الوحيدة لفك طلاسم الكون. هناك مشاعر أخرى. هناك أذواق أخرى. هناك اتحاد شعوري. هناك ذوبان وجداني عند الصوفية وعند كثير من المؤمنين والعشاق.

إن هذا اللقاء النادر بين اثنين من الشعراء الألمان. جيبته ( 1769 ـ 1832 ) وشيلر ( 1759 ـ 1805 ) في أواخر سنة 1794. قد كشفت عن حقيقة باهرة. فقد التقى الاثنان في مؤتمر العلم الطبيعي. واختلف الاثنان. وأحس أبو الشعراء جيته أن زميله هذا شخصية كريهة. وأنه من الصعب أن تجلس إليه أو يستمع إليه. وقال جيته في تفسير ذلك: أعتقد أن في داخلي قوة ترفضه.

لكن عندما وقف الشاعر ليقول: إن العلم قد أخطأ كثيرا في فهم الإنسان. أن العلم يحطم الإنسان قطعة قطعة ليعيد تركيبه بعد ذلك. في حين أن الإنسان ليس إلا قطعة صغيرة من الحقيقة الكبرى. من الكون. من الله. ثم قال أيضا: أن الكون كله ليس إلا الثوب الجميل الذي يرتديه الله.

فقط أحس الشاعر جيته أن شاعرا آخر قد عانقه فكريا يقول جيته: إنما أردت أن أقول ذلك تماما. وأن الإنسان هو أعظم وأروع وأعقد مخلوقات الله. ومن الإنسان ومن خباياه وخفاياه الباهرة المعروفة الحقيقية لمعجزة الخلق والإبداع. من هنا يبدأ كل شيء. وهنا ينتهي كل شيء. ومن يعرف الإنسان يعرف الله. ونحن لا نعرف الله بعد. فما ولنا نجهل الإنسان.

أما الأديب السويدي استرندبرج ( 1849 ـ 1912 ) فهو صاحب العبارة المشهورة، أحسد الطيور. ولا أحسدها. إنها تطير. ولكنها تعود. آه لو طارت ولم تعد.

قد اتهم استرندبرج بالجنون. والذي فعله مع زوجته وابنه قد ملأ كتب التاريخ الأدبي والنفسي أيضا. وكان استرندبرج قادرا على شفاء المرضى بمجرد النظر إلى الصور. كان يفعل ذلك مع ابنته. ومع إحدى قريباته. كان يطلب إليها أن تجلس في غرفة ما. ويجلس هو في غرفة أخرى تبعد عنها مئات الأمتار. وكان يفسر ذلك بقوله: لا شيء أكثر من أنني أتمنى أن أهرب بها أو معها إلى مكان آخر. وأتصور

المكان الآخر. أرسمه بعناية، طرقاته وأشجاره وطيوره و موسيقاه وأهبط في وديانه وأتسلق جباله ثم أهوى بها إلى البحر. أعماق البحر.

من الغريب إنه عندما كان يصل إلى هذه اللحظة من صورته الخيالة كان يهوى على الأرض. وكانت الفتاة أو السيدة التي يعالجها أو يتخيل أنه يعالجها، تحس بشيء من الاهتزاز. أما هو فكان يغرق في غيبوبة طويلة.

دخل أسترندبرج التاريخ عبقريا مجنونا. ولكن الدراسات الروحية الحديثة تضعه في باب العباقرة. أو في باب أصحاب المواهب الفذة في الشفافية أو في الإحساس عن بعد بأشياء لا يحسها عامة الناس.

أما الشاعر الفرنسي بودلير ( 1821 ـ 1868 ) فقد كان أسبق الشعراء في تعاطي المخدرات وبإسراف شديد. تم تسجيل ذلك في كتابه الجنة الزائفة. وكان بودلي قادرا على أن يشم الأصوات ويسمع العطور. وفي ذلك يقول: شممت لحنا جميلا، وسمعت عطر الزهور. أما هذه الفراشات فهي مجموعة من قوانين المنطق ونظريات الفلسفة.

الذي قاله بودلير في القرن التاسع عشر يقوله عن يقين هؤلاء الذين يتعاطون حبوب الهلوسة. ولكنهم في الحقيقة لا يهلوسون. وإنما هم يزودون الحواس بقدرات مكبرة. تماما كما يضع الإنسان على عينيه عدسات مقربة. أو عدسات مكبرة. أو يضع على أذنيه سماعات فلكية، فيسمع صوت الكواكب والنجوم في دورانها. أو يسمع تلك الرسالات الغريبة التي تتردد بين الكواكب على مدى ملايين السنين الضوئية.

فقد اعتدنا جميعا على مستوى شعوري معين. هو مستوى الإنسان الذي صحا من نومه. ثم راح  يتعاط من فناجين القهوة ليفيق. أو ليزداد يقظة. هذا أقصى مستويات الوعي عندنا. ولكن هناك مستويات أخرى يمكن خلقها كالتي يعرفها من يتعاط المنبهات الكيميائية. كأن يبلع أقراص الرتالين والبنزدرين والربلو دين والأداليب والأبوزان وغيرها. إنها تشحذ الوعي أو تجعل الوعي كالسكين لامعاً حاداً قاطعاً.

هناك مستويات شعورية أخرى كالتي يحس بها الإنسان قبل النوم أو عند الكابوس. أو بعد أن يتعاط بعض المخدرات أو المنومات أو المهلوسات. إنها تهبط بالإنسان دون الشعور العادي. تهبط إلى الأعماق.  

كل هذه مستويات متنوعة من الشعور. وأيا كان هذا المستوى، فإن الإنسان سوف يجد أشياء أخرى جديدة غريبة. لم يعتد عليها، ولذلك لم يعرفها. ثم أن الإنسان لا يلجأ إلى الفوضى في أعماقه أو بعبارة أخرى، أن الإنسان لا يتعمق أعماقه. كما يقول العالم الأمريكي رابين الذي تابع دراسة الإدراك الحسي عن بعد عشرات السنين.

الشاعر بودلير يقول: الشفاء هو أن تجد ما اعتدت عليه. والسعادة أن تبحث عن الذي لا تعرفه. فإذا عرفته، فالسعادة مرة أخرى أن تلوذ بشيء آخر بعد ذلك. موجة وراء موجة في بحر لا نهاية له. أما الشاعر الايرلندي بيتس ( 1865 ـ 18939 ) فقد اتجه تماما إلى هذه الأشياء الخارقة في طبيعة الإنسان البسيط. كما يقول: فقد كانت عنده خادمة غريبة العادات. ولكنها طيبة. ولذلك فهو لا يناقشها فيما تفعل. فهي تتصرف بتلقائية غير مفهومة. كأن يطلبها تليفونيا ويقول لها: أعدي الطعام لأربعة.

عندما يعود يجدها قد أعدت الطعام لثلاثة فقط. ومن الغريب أنه لم يكن قد أخبرها أن أحد المدعوين قد اعتذر. وكان يقول لها أعدي الطعام لثلاثة، فيعود ويجدها قد أعدت الطعام لأربعة. ويكون المدعوون أربعة. وفي إحدى المرات دعا خمسة من أصدقائه. وأمام الباب طلب إلى اثنين منهم أن ينصرفا. ويوالى الطرق على الباب. وبعد لحظات تفتح له الباب. ويسألها عن سر التأخير ويكون جوابها: أنه ما دام لن يحضر سوى ثلاثة فكان من الضروري أن أرفع أطباقهما من المائدة.

كيف ذلك؟ لا جواب عند هذه الخادمة. ويقول الشاعر بيتس إنه في إحدى المرات طلب إلى هذه الخادمة أن تأتي له بقميص. وأتت به. وعندما ارتداه عادت فسحبت القميص وهي تقول: توجد به بقع من الدم في الجانب الأيسر سوف آتي لك بغيره.

ووقف هو لا يعترض على شيء. وخرج. وأثناء سيره بسيارته. توقف المرور كله فجأة. ونزل من السيارة ليرى. فوجد أحد أقاربه قد صدمته السيارة فعاونه الناس في نقله إلى أحد المستشفيات. وتلوث قميصه بالدم في نفس المكان الذي أشارت إليه الخادمة. وعندما عاد إلى البيت قالت له الخادمة أن القميص الذي نزعته منه في الصباح لم تكن به بقع دم. وهي في ذهول لذلك. إنها لا تعرف كيف رأت الدم الذي سوف يكون بعد ذلك.

يروي الشاعر بيتس أنه عرف رجلا في اسكتلندا كان يطلب إليه أن يضع ورقة سوداء على جبهته. ثم يغمض عينيه بعد ذلك. يقول الشاعر بيتس: وفجأة أجد أمامي، أمام عيني جبالا شاهقة ووديانا سحيقة ومساقط مياه مدوية وطبولا وأبقارا   وأزهارا وفاكهة وهواء وأرفع يدي عن الورقة. وأجد الرجل أمامي. وأشعر بصداع عنيف. كيف ذلك؟ لا أعرف.

في سنة 1930 كتب أبو الصواريخ السوفيتي تسيولكفسكي: أن الرحالات الفضائية سوف تكون تحولا خطيرا في معرفتنا بالكون. ولكن أهم من ذلك أن نوقظ قدرة توارد الخواطر والصور عند رواد الفضاء. لو فعلنا ذلك فإننا سوف نعرف حقيقة العقل الإنساني الذي هو أخطر بكثير من معرفة الكواكب والنجوم. فإن تعميق هذه القدرات سيجعل من السهل عليهم التفاهم بعضهم مع البعض ومع المحطات الأرضية، وسوف يصبحون قادرين على التنبؤ بالخطر قبل وقوعه.

في سنة 1967 نشرت مجلة الأخبار البحرية السوفيتية: أن رواد الفضاء عندما يكونون في مدارهم حول الأرض يسهل عليهم التفاهم دون كلام. وقد حدث أكثر من مرة أن اتجه الرواد في وقت واحد إلى التحقق من بعض الصمامات. في الوقت المناسب. وقد أذهلهم ذلك. وقد تدربوا طويلا على ذلك. ويمكن مع تدريبات أخرى منوعة، أن تصبح هذه الشفافية أعمق وأقوى.

من الأحداث المعروفة في عالم الطيران أن اثنين من الطيارين الأمريكان كانا يقومان بتجارب على مستويات عالية في الجو. وكانا في طيارتين جديدتين. يقول واحد منهما أنه سمع زميله يقول له: ما هذا الدخان الذي ينبعث من طيارتك. وكان من المستحيل أن يسمعه بهذا الوضوح. ثم أنه لم يقل شيئا من ذلك. وبالفعل التفت الطيار ووجد تسربا للغاز. وأقفله بسرعة.

يقول أحد الطيارين وكان قد تخصص في دراسة اللاهوت أنه يستطيع في بعض الأحيان أن يمد يده إلى جيبه فيعرف ألوان بعض الأوراق أو المناديل. ولا يعرف سببا لهذه القدرة الغريبة التي اكتشفها في نفسه عند الطيران على ارتفاعات عالية.

قد قال الدكتور رابين الأستاذ بجامعة ديوك بأمريكا في مقدمة كتاب له بعنوان آفاق جديدة للعقل. أنه اهتدى إلى السيدة لا تحسن القراءة والكتابة، ولكنها تستطيع إذا وضعت الصحيفة على وجهها أن تقرأ بعض العناوين. أو تصف بعض الصور. وقد جرى عليها هذه التجارب عشرات المرات. وعندما هاجمه أساتذة علم النفس، دعا هذه السيدة إلى مؤتمر عام. وعصبوا عينيها تماما. ثم وضعوا أمامها ألوانا وأحجاما من مجلات والصور. فإذا وضعت يدها على واحدة من هذه الصحف قالت: العنوان الرئيسي أحمر. أو أسود. الصورة لفتاة تلعب التنس. الصورة لحصان يجر عربة. لا توجد صور. هذه الصحيفة مقلوبة. هذه لغة لا أعرفها.

لكن في سنة 1960 اهتزت الدوائر العلمية في روسيا والعالم كله عندما تردد اسم السيدة روزا كوشيفا. فهي من إحدى مدن جبال الأورال. ومن أسرة كل أفرادها من العميان. وقد اعتادت أن تقرأ لكل أفراد أسرتها. ثم كانت أيضا تقرأ مثلهم على طريقة برايل ـ أي الحروف المكتوبة بشكل بارز ـ وفي إمكان أي إنسان طبعا أن يقرأ ذلك ليلا ونهارا.

لكن حدث تطور غريب في ربيع سنة 1962، لقد استطاعت روزا هذه أن تقرأ الصحف العادية بمجرد أن تمر بأصابعها على الورق. وكانت تفعل ذلك وهي معصوبة العينين. وتقول إنها اكتشفت هذه الموهبة الغريبة عندما كانت تلميذة في المدرسة فقد كانت تضع أوراقا مكتوبة في جيوبها وبمجرد أن تمر بأصابعها على الورق كانت تعرف كل ما فيها.

في مؤتمر الدراسات النفسية الذي عقد في منطقة الأورال ذهبت روزا أمام عدد كبير من العلماء الذين لا يصدقون ذلك. وعصبوا عينيها. وعرضوا عليها الصحف والكتب والرسائل الخاصة. وكانت تضع أصابعها على الورق وتقرأ. أكثر من ذلك أنهم كانوا يضعون النوتة الموسيقية تحت لوح من الزجاج وكانت تمر بأصابعها على الزجاج وتقرأ وهي معصوبة العينين.

أما الصور فكانت تمر عليها بأصابعها وتصفها بمنتهى الدقة. بل إنها كانت تقول مثلا: أن هذه السيدة تضع عقدا أحمر. أو في أصابعها خاتم من الماس. وتطورت هذه القدرة عند روزا لدرجة أنها كانت تقرأ الصحف بأصابع قدميها. كل ذلك أمام عدد هائل من العلماء الذين لا يصدقون. ولكن عليهم أن يبحثوا عن سر هذه القوى الخفية في الإنسان.         

تطورت في قدراتها بعد ذلك إلى أنها كانت تستطيع أن تقرأ الصحف إذا جلست فوقها. فيقال لها مثلا: ما هي السطور الأولى في الصحف الخامسة؟ أو صور من هذه الموجودة في نهاية الصفحة السابعة؟ وكانت بمنتهى الدقة.

تحولت مدينة تأجيل في منطقة الأورال إلى مركز ساحر مسحور باهر لكل العلماء الذين يؤمنون بالروح والذين لا يؤمنون إلا بالمادة. وأعلن العالم الألماني رايشنباخ: إذا صح هذا ـ وهو صحيح ـ فمن الواجب أن نلقي بكل ما تعلمانه وما علمناه في البحر. وفي سنة 1964 أوفدت مجلة لايف الأمريكية أحد مرا سيليها لرؤية روزا هذه. ولكنها في ذلك الوقت كانت مريضة. وضعفت تماما. ولم تعد قادرة على القراءة بقدميها إلا نهارا.

هنا ربط العلماء بين القدرة على القراءة بالنهار والعجز عن القراءة بالليل. وسألوها وما الفرق؟ وكانت تجيب بأن اللون الأسود فيه خشونة واللون الأزرق فيه نعومة. واللون الأخضر فيه برودة. واللون الأصفر فيه ميوعة. وكلها معان لا يدري أحد كيف يقيسها أو يضبطها أو يحسبها بمعادلات رياضية أو يزنها بالدرهم والغرام. إنها هذه القدرات الخافية هي أعمق أعماق الإنسان.

 

 

ظواهر غريبة أرواح أشباح ما وراء الطبيعة ظواهر غريبة أرواح أشباح ما وراء الطبيعة ظواهر غريبة أرواح أشباح ما وراء الطبيعة ظواهر غريبة أرواح أشباح ما وراء الطبيعة ظواهر غريبة أرواح أشباح ما وراء الطبيعة ظواهر غريبة أرواح أشباح ما وراء الطبيعة ظواهر غريبة أرواح أشباح ما وراء الطبيعة ظواهر غريبة أرواح أشباح ما وراء الطبيعة ظواهر غريبة أرواح أشباح ما وراء الطبيعة ظواهر غريبة أرواح أشباح ما وراء الطبيعة ظواهر غريبة أرواح أشباح ما وراء الطبيعة ظواهر غريبة أرواح أشباح ما وراء الطبيعة ظواهر غريبة أرواح أشباح ما وراء الطبيعة ظواهر غريبة أرواح أشباح ما وراء الطبيعة


أولئك الذين يعرفون أين يوجد الماء تحت الأرض

كيف يستطيع إنسان بعصا خشبية أن يعرف الماء والبترول والمعادن تحت الأرض بعشرات الأمتار و كيف يستطيع بمجرد " بندول" أن يحدد مكان تواجد الشخص المُختطف ؟!

 

إذا جلست إلى توفيق الحكيم أو يوسف وهبي فسوف تسمع قصصا أعجب من هذا الذي رويت. وكل واحد منهما له تجارب شخصية مع أناس لديهم قدرات خفية.

آخر ما سمعت. وما رواه فنان الإسكندرية سيف وانلي. فقد أملى عليه جده عرفان باشا تاريخ مصر. وكان سيف وانلي يكتب تاريخ مصر مستخدما الفنجان الذي يتحرك ويتوقف عند الحروف المكتوبة على إحدى المناضد. وقد قرأت أنا صفحات من تاريخ مصر التي أملاها عرفان باشا الذي توفي من وقت طويل.

أغرب من ذلك الفنان سيف وانلي قد اكتشف أخيرا أنه ولد في نفس اليوم والشهر الذين ولد فيهما الفنان الهولندي الكبير رمبرانت بفارق ثلاثة قرون. وأنه يشعر كثيرا عندما يرسم أن الذي يحرك يده هي روح الفنان رمبرانت.

أعجب من ذلك أن سيف وانلي عندما ينظر إلى اللوحة البيضاء أمامه، فإنه لا يراها بيضاء. وإنما يراها نصف مرسومة. ثم يحرك الفرشاة يكمل اللوحة. إن أحدا من الواقفين معه أو حوله لا يرون ولا يحسون بما يحس. ولكنه وحده الذي يتجه بقوة خفية في داخله إلى تحقيق ما يدور في عقل رمبرانت.

إن عبارة غريبة جاءت في مذكرات ليونارد دافنشي، أعظم العقول في العصور الوسطى. تقول العبارة: إن اللوحة التي أرسمها قد رأيتها في نومي بكل تفاصيلها. ولكن عندما أنهض لكي أرسمها فإن يدي لا تطاوعني. وفجأة أشعر أن هواء عاصفا قد دخل في أذني. واستولى على ذراعي. وإذا بي أتفرج على الشيء العجيب الذي تفعله يدي. وكأنها ليست يدي.

إنه نفس المعنى الذي يقوله سيف وانلي الآن، ولم يشأ أن يفعلن ذلك منذ أربعين عاما. إنه عالم عجيب ذلك الذي يحيط بنا، ويؤثر فينا، ولا ندري كيف في سنة 1960 صدر في باريس كتاب بعنوان يوم السحرة. مؤلف هذا الكتاب اسمه لوي باولز. وعلى الغلاف هذه العبارة: اقرأ هذا الكتاب /ن أي مكان. واستبعد ما تراه. اقرأه من الأول من الوسط. أو من الآخر. لا يهم. فسوف تصل من أي مكان إلى المعنى الذي أريده، أما الكتاب فقد ضم موضوعات كثيرة. الرؤية عن بعد. السمع عن بعد. اللمس عن بعد. توارد الخواطر. الأطباق الطائرة. سكان الكواكب الأخرى. معجزة بناء هرم الملك خوفو. الفلكيون الذين اعتمد عليهم هتلر. قراءة الكف. قراءة الفنجان. ضرب الرمل. الحب الذي يصنع المعجزات. يعطي الشجاعة للجبان، والقوة للمريض، والمعنى للحياة. أشهر العشاق في التاريخ.

هذا الكتاب له معنى واحد. إن العالم الذي نعيش فيه أغرب وأعظم مما تتصور. وأن العقل الإنساني لا يستطيع الإحاطة به. وأقبل الشباب على هذا الكتاب، ولم يكن الشباب مهتما بعجز العلم عن الإحاطة بعجائب الأشياء ولكن هذا الكتاب قد أثار خيال الشبان وجعلهم يفكرون في الكواكب الأخرى والحياة فيها وهل صحيح أن هناك حضارات أخرى. وأن أبناء هذه الحضارات قد هبطوا وتركوا آثارهم؟

قد ساعد على إطلاق الخيال أننا دخلنا في عصر الفضاء وسفن الفضاء والهبوط على القمر وعلى المريخ والزهرة. وأن هناك هيئات علمية ترصد الأصوات القادمة من الفضاء الخارجي. وأن علماء عظماء قد أكدوا لنا، أن هناك كائنات أخرى أكثر عقلا وتطورا وأن أجهزتنا الحديثة أفلحت في التصنت عليها. وأننا قررنا أن نعلن لهذه الكائنات عن وجودنا. ولذلك أطلقنا سفنا فضائية تحمل لوحات تدل على وجودنا. من بين هذه اللوحات لوحة رسمها العالم الكبير كارل ساجان وزوجته. هذه اللوحة عليها صورة رجل وامرأة. وعليها صورة الشمس وكذلك المجموعة الشمسية وموقع الكرة الأرضية من هذه المجموعة. وعلى هذه اللوحة أننا نعرف الرياضيات الحديثة.

من الغريب حقا أن نجد عند نهاية كل قرن من القرون الأربعة الماضية اهتماما متزايدا بالقوى الخفية حول الإنسان أو بعيدا عنه أو في داخله. هل هي صدفة؟ هل هو الاهتمام بالقوى الخفية يتحرك في دوائر منظمة. كل مائة سنة.

لا أحد يستطيع أن يجيب عن هذه الأسئلة. ولكن المؤكد هو أن اهتماما عالميا متزايدا بالقوى الخفية قد ملأ المعاهد والجماعات. وأن الاهتمام بدراسة علم النفس أو علوم النفس قد شغل الناس. فظاهرة الاستشفاف أو رؤية الأشياء عن البعد. أو ظاهرة الجلاء البصري. وظاهرة التخاطر. أي تلاقي الخواطر وتوارد الأفكار وظاهرة التحريك عن بعد. وظاهرة الإدراك خارج الحس. أو إدراك ما هو خارج نطاق الحواس الخمس. وهذا أحدث التعبيرات في علوم النفس المعاصرة، كل ذلك أصبح من الأطباق المفضلة على موائد علماء النفس والفيزياء والفلك والفلسفة والرياضيات.

لقد امتلأت كتب الروحانيين المصريين بنوادر رجل طيب مشهور اسمه الشيخ طنطاوي جوهري. هذا الرجل قد رآه عدد كبير من الذين تجاوزا السبعين من أعمارهم في مصر. وكان هذا الرجل قارا على أن ينظر إلى أي إنسان فيقول له مثلا: هذا الذي ترتديه ليس ثوبك إنه ثوب أخيك. أو إنه ثوب مسروق. ويكون هذا صحيحا.

أو يقول لأحد الفلاحين: حاولت هي. وتبعت اليوم. ولطن ليس لك نصيب.

فيسأله الفلاح: ما هذا يا عم الشيخ؟

فيقول له: إنها البطة التي عندك في البيت. باضت بصعوبة فنزلت البيضة على قطعة حجر. فانكسرت. ولو ذهبت الآن إلى البيت لوجدت ثعبانا يشرب البيضة.

ويكون هذا صحيحا.

في إحدى المرات وجد الشيخ الطنطاوي جوهري في السوق أحد الفلاحين. وقد جلس إلى المقهى يدخن الشيشة ويأكل الحلوى. وأمسك مسبحة في يده. فهجم عليه. وكسر الشيشة وألقى بالمسبحة في النار. وراح يصرخ: أمسكوه هذا هو القاتل. أمسكوه. لقد قتله بالفأس. ضربه ست مرات على رأسه. ضم ضربه في بطنه. أ/سكوه.

يسأله الناس: قتل من؟

فيرد: لا أعرف. ولكنه قالت. أمسكوه.

يلقي البوليس القبض على الرجل. و يعترف بأنه قتل أحد جيرانه تماما وبالطريقة التي وصفها الشيخ طنطاوي.

يسألون الشيخ طنطاوي: وكيف عرفت؟

يقول: رائحة الدم. لون أصابعه. لون أسنانه. إن الدم ينزف من كل مكان.

في نفس الوقت كان في أمريكا رجل اسمه الدكتور راين. هذا الرجل يدرس ظاهرة غريبة وهي ظاهرة الذين يلعبون الطاولة أو الدومينو والكوتشينة وهو يريد أن يعرف كيف يستطيع بعض الناس أن يؤثر في الزهر فيجيء الزهر حين يلقيه على المنضدة. على نحو الذي يرده. والذين يلعبون الطاولة أو الدومينو يجدون أناسا قادرين على التحكم في الزهر. أي يقرصون علة الزهر، فيجيء الذي طلبه.

لكن الدكتور راين وجد عددا من المقامرين المحترفين لديهم قدرة عجيبة على أن يؤثروا في الزهر. فدرس هذه الظاهرة واهتدى إلى أن هناك بعض الناس يستخدمون قواهم الخفية في التأثير في الزهر. وتحريكه وإسقاطه بالضبط كما يريدون. وأن هؤلاء إذا كانت حالتهم النفسية جيدة، فإنهم يتحكمون تماما في الزهر. وإذا كانت حالتهم النفسية مرهقة، أو ليس لديهم صفاء ذهني، فإنهم يعجزون عن السيطرة على زهر الطاولة.

هناك ظاهرة اسمها الاستحضار أو التحضير. أي الماضي حاضرا. وذلك بأن تجيء شخص من أصحاب القوى الخفية ويدخل غرفة من الغرف فإذا هو يخبرك ماذا حدث فيها بالأمس أو في العام الماضي أو من عشرين أو مائة عام.

أشهر المشتغلين بالاستحضار هو الرجل الهولندي كروازيه. فقد كان هذا الرجل ابنا لقيطا. وتعذب في طفولته كثيرا. وعاش مريضا دائما. ولكنه فجأة أدرك أن به خاصية غريبة. إذا رأى إنسانا أخبره بالضبط ما الذي فعله منذ أيام. وعندما ان كروازيه طالبا في المدرسة، تقدم لأحد المدرسين يقول: مبروك.

يسأله المدرس: لماذا؟

يرد الطفل: لأنك أمضيت إجازة الأسبوع مع خطيبتك التي سوف تتزوجها. إنها شقراء ترتدي بنطلونا ضيقا وتضع وردة حمراء على صدرها. وقد اتفقتما على أن يكون الزواج يوم الأحد القادم. ويكون هذا صحيحا.

ظل كذلك عشرات السنين. حتى أصبح مشهورا في أوروبا وأمريكا ولما كبر استخدمه البوليس في معرفة المجرمين. فأدخلوه أحد البيوت. واتجه هو من تلقاء نفسه إلى المطبخ. وقال: هنا ارتكبت جريمة جنسية. رجل اعتدى على فتاة. وراحت الفتاة تصرخ. ولكنه هددها بالقتل. وبعد أن اعتدى عليها قتلها.

ثم يعود يقول: ولقد ساعده في ذلك أخوه الأصغر. وهرب الاثنان. أحدهما إلى باريس والآخر ما يزال في هذه المدينة. ويكون هذا صحيحا تماما. فقد اعتقل البوليس قبل ذلك بساعات هذين الأخوين ولكن كروازيه هذا لا يعرف.

 هناك رجل هولندي آخر أكثر شهرة. اسمه بيتر هركوس. هذا الرجل عنده قدرة على الاستشفاف. أي رؤية الأشخاص عن بعد. أي عن بعد في المكان وفي الزمان. فيرى واحدا في مدينة أخرى ويعرف بالضبط ما الذي يعمله أو يرى واحدا وما الذي كان يعمله منذ شهر أو منذ عام. هذا الرجل هركوس أجلسه رجال البوليس في إحدى السيارات الأمريكية وطلبوا إليه أن يصف الجريمة التي وقعت ومعالم القاتل. فيمكث بعض الوقت ثم يصف ما حدث وكأنه يرى أحد الأفلام السينمائية وبمنتهى الدقة. ويصف وجه القاتل. والعلامات التي تميز يديه وجهه. ويكون هذا صحيحا.

لقد أتوا بهركوس هذا إلى شقة الممثلة الأمريكية شارون تبت. فوصف لهم القتلة واحدا واحدا، وأعلن عن الأماكن التي هربوا إليها.

هذا الرجل قد اكتشف هذه الخاصية في نفسه. وكان ذلك على أثر حادث في الطريق. ضربته سيارة ونقلوه إلى المستشفى. وبعد أن أفاق من البنج، لاحظ أنه قادر على أن يقرأ أفكار الطبيب والممرضات وكل أقاربه من الزوار. فكان يقول للواحد منهم: أنا أعرف أنك مشغول، وأنه كان المفروض أن تذهب إلى كذا وكذا. أو يقول شكرا على هذه الزيارة. إن زوجتك تنتظرك في السيارة.

أو يقول: اجلس بعض الوقت فإن اللصوص قد سرقوا سيارتك. أو يقول آسف لما حدث. إن سيارتك تحترق الآن. لقد نسيت أن تملأها بالزيت.

فما هي العلاقة بين وقوع الحادث أو إصابة أي إنسان بمرض وظهور هذه الخاصية الغريبة عنده.

ليس من الضروري أن يكون الإنسان مريضا ليصبح قادرا على أن يرى أو يسمع أبعد. وإنما المرض أو الحوادث العنيفة هي من أحد الأسباب التي تحقق للإنسان نوعا من الجلاء السمعي أو الجلاء البصري. وكثير من الناس عندما يصاب بمرض ويلزم الفراش يكتشف أنه اهتدى إلى معان جديدة واتخذ قرارات حاسمة في حياته. أو نجد إنسانا يقول لك: لقد كنت على وشك الموت. ولكني على فراش الموت هذا رأيت الدنيا على حقيقتها. ورأيت الناس على حقيقتهم. كل شيء رأيته بوضوح.

لو استعرضنا حياة المتصوفين لوجدنا حياتهم أقرب إلى المرض. إنهم لا يتحركون ولا يأكلون ولا يشربون. تماما كأنهم مرضى. ولكن هؤلاء المرضى، أقدر الناس على إدراك أعقد مشاكل الدنيا.

لكن ليس معنى ذلك أن الإنسان يجب أن يكون مريضا، أو كالمريض، ليرى أبعد ويسمع أعمق. فهناك كثيرون من أصحاب القوى الخفية في صحة جيدة تماما. بل إن بعضهم لا يكف عن الخمر أو القمار أو التنقل. أو إنه غارق في الجنس.

لا توجد قواعد ثابتة لكي يكون الإنسان قوى خفية. فليس كل صاحب نظر قوي، هو صاحب جسم قوي. ولا كل صاحب جسم قوي، هو صاحب حاسة سمع قوية.

فليس معروفا علميا لماذا يكون الإنسان شفافا، ولماذا لا يكون. ولكننا نريد أن نقترب من هؤلاء الناس لتعرف مصادر هذه الطاقة الخفية. وهذا ما يفعله ألوف العلماء في مئات الجامعات. يردون أن يقتربوا ليفهموا.

 

في العام الماضي أصدر العالم النفسي الكبير كورت تسلر كتابا عنوانه وراء الحدود الحسية. يحكي قصة رجل كان يعيش في أوغندة. هذا الرجل قرر أن يقيم خيمة في الغابة المفتوحة أي في الغابة التي بها الوحوش من كل نوع. اشترط أن يوجد معه بعض الحراس. وكانت لدى هذا الرجل حاسة غريبة تدل على اقتراب الوحوش من أي اتجاه فيقول: عنا أسد. إنه على مسافة مائتي متر. هنا نمر على مدى مائة متر. هنا ثعبان على مدى عشرة أمتار. يقول ذلك وهو في داخل الخيمة المغلقة وفي ظلام الليل. ويكون صحيحا.

يقول الدكتور تسلر: لابد أن هذه هي حاسة الإنسان عندما كان يعيش في الغابة. ولو لم تكن للإنسان هذه الحاسة لأكلته الوحوش، وانقرضت البشرية. ولكن مع ظهور الكهوف والأسلحة، لم يبعد الإنسان يعتمد على حاسته هذه. تماما كما أننا لا نعتمد على حواس السمع والبصر الآن. فليس من الضروري أن تكون لدينا أذنا ذئب أو عينا صقر. لسنا في حاجة إلى ذلك. فالمسافات قصيرة والبيوت أمان. ولم يعد الإنسان أيضا في حاجة إلى أن يستخدم حباله الصوتية ليتحدث إلى أحد. فالتليفون يغني عن ذلك. ولم يعد أحد يستخدم رجليه في السفر. فالمواصلات كلها تقوم بذلك. وهكذا نجد أن الإنسان قد عطل كل حواسه التي كانت حادة يوما ما. وكان يعتمد عليها في حياته اليومية. أما الآن، فليس في حاجة إلى كل ذلك.

فالرجل الذي يعيش في الغابة يستخدم قواه الخفية لرصد حركات الوحوش حوله. وإذا لم تكن هذه الحواس مدربة تدريبا جيدا أكلته الوحوش.

هناك ظاهرة الاستعمار. وهذه الظاهرة موجودة عند البدو فيمسك الرجل البدو عصاه ويدق بها الأرض. ويقول: هنا ماء. أو هنا قطعة من الحديد. أو أنبوبة. فإذا حفروا الأرض وجدوا كل شيء مما استشعره الرجل البدوي.

لكن هذه الظاهرة نجدها قد نميت ودربت تدريبا جيدا. ففي انجلترا رجل اسمه لفتويش. يمسك عصاه ويدق الأرض ويقول: هنا معادن. هنا أسلاك. هنا مواسير.

أما طريقته فهو أنه يمسك عددا من الأسلاك. ولا يكاد يمر فوق المعادن حتى تلتوي الأسلاك في يديه مشيرة إلى مكان المعادن تحت الأرض. وهذا الرجل تعتمد عليه شركات البناء ليدلهم على أماكن الأسلاك والمواسير قبل القيام بعمليات الحفر.

أكثر من ذلك إنه يمشي معصوب العينين وأمامه رجل أو سيدة. وكلما مرت هذه السيدة على أرض تحتها معادن أو مسامير يقول: هنا. وتقف السيدة. ويحفرون. تحتها فيجدون المعادن.

لقد أجريت تجربة مع زوجة الكاتب الانجليزي المشهور كولن ويلسون. فقد أخفت هذه السيدة بعض الحلي الذهبية تحت السجاد، ومرت بالقرب منها. وقال الرجل وهو على مدى عشرين مترا وراءها: هنا ذهب. مجوهرات. أكثر من ذلك أنه يمسك الخريطة لمدينة أو لدولة كلها. ويمسك عودا من النحاس في يده ويمر على الخريطة ويقول: هنا معادن. هنا غاز. هنا بترول. هنا كهف مبلل بالماء طوله كذا وعرضه كذا.

منذ مائتي عان اهتم اثنان من كبار العلماء بهذه الظواهر الغريبة. هما الدكتور كروكس والدكتور أوليفر لودج. وقد ابهر الرجلان بهذه الخوارق وشغلتهما. وانتهيا معا إلى نتيجة واحدة: إنها شيء عجيب. ولكن العلم لم يهتد إلى معرفة أسبابها بعد. تماما كما أن العلم لا يعرف لماذا هذا الإنسان عبقري أو شاعر أو رسام. لماذا هذا التفوق الباهر عند بعض الناس.     

يبدو أن الموقف الآن ازداد تعقيدا. فقد تنوعت الظواهر الغريبة. ولكن الذي ما يزال على ما هو عليه هذا السؤال: ولكن لماذا يحدث كل هذا؟

كيف نفسر أن شخصا لم يحضر إلى مصر. ولم يتعلم الهيروغليفية يكتبها وبسرعة وفي حالة إغماء شديد. فإذا عرض الأطباء ما كتبه هذا الإنسان المغمى عليه على علماء الآثار أكدوا: أن الذي كتبه صحيح. وأنه يتحدث عن ملك حقيقي عاش في مصر.

ومثل هذه التجربة الصغيرة موجودة في كل كتب المشتغلين بالدراسات الروحية في مصر وفي العالم العربي. ولكن هذه الدراسات العربية لا تلقي الاهتمام العالمي العظيم، لأنها محدودة النشر. ولأن الذين يتناولونها ليست لديهم هذه المكانة الدولية. ولو كان الحاج ميرغي السوداني أو الشيخ طنطاوي أو غيرهما من العرب يعيشون في باريس أو لندن، لصدرت ألوف الكتب تتحدث عن هذه المخلوقات العجيبة الغريبة. ولذلك سوف تظل مصادرنا العلمية في الكلام عن القوى الخفية أوروبية أو أمريكية.

لو رجعنا إلى كتب الصوفية في إيران والعراق وسولاريا ومصر والسودان والمغرب لوجدنا ألوف الأمثلة على القدرة الخارقة لبعض الناس الطيبين.

منذ سنتين رأيت في مدينة مانيلا بالفلبين رجلا طيبا. والناس على باله. بالألوف من كل قارات الدنيا. الجميع مرضى. وعجز الأطباء عن علاجهم وليس أمامهم إلا هذا الرجل الطيب.

إنهم يدخلون الواحد وراء الآخر. والرجل يمسك عصى خشبية. يمر بها على بطن المريض. وفجأة يجد المريض تقلصا في المعدة أو في الأمعاء. أو في القلب أو في عضلات الساق. أو في العمود الفقري. ويعد لحظات ينهض المريض. وقد خف من أوجاعه. 

الغريب في هذا الرجل لا يسأل المريض عن دائه. وإنما هو الذي يكشف هذا الداء فيقول: قلبك. بطنك. عمودك الفقري.  وأغرب من ذلك أن هذا الرجل يجري عمليات جراحية. بأصابعه وعصا خشبية. أمام مئات الأطباء. وبعد يومين يلتئم الجرح ويذهب الوجع والمرض إلى غير رجعة.

من نوادر هذا الرجل الفلبيني أن أحد المرضى قد جاءه ولم يكد يلمسه حتى راح يضحك. ولما سألوه قال: لقد نسى الطبيب شيئا معدنيا في أحشائك. وذهب المريض إلى الطبيب وأجريت له عملية جراحية وأخرج الطبيب أداة جراحة من بطن المريض. ولحسن حظ المريض أنها كانت مغطاة بكيس من الشمع المعقم.

هناك تفسيرات لهذا كله. وليس ذلك نهائيا في قضية معقدة جدا كالتي نعالجها في هذه السلسة؟

التفسير الأول. أن يقال أن بعض الناس عندهم القدرة الغريبة على الإحساس بالأشخاص والأشياء عن بعد، ثم اعتراض الأحداث وتغييرها على النحو الذي يريدون. ولا نجد تفسيرا علميا لذلك.

التفسير الثاني. فهو الذي يقوله بعض هؤلاء الناس أنفسهم. وهذا يجعل موقفنا أصعب جدا. وهو أن هناك قوى أخرى عالية علينا تؤثر فيهم وتدفعهم إلى إتيان هذه الأعمال الخارقة.

بعضهم يقول لك: أرواح متسلطة عليهم. وبعضهم يقول بل كائنات من كواكب أخرى اتصلت بهم. أو نقلتهم من الأرض في أطباق طائرة وغيرت في تكوينهم النفسي والعقلي. وبعض هؤلاء الناس الذين يعملون في علاج المرضى يقولون: إنهم أصحاب رسالة سماوية لشفاء الناس والتخفيف عنهم.

هذا أصعب وأكثر غموضا. فعلى الرغم من أننا على يقين من أن هناك كائنات أخرى، وأن بعض هذه الكائنات قد هبطت إلى الأرض، ولكننا لسنا على يقين من أن شيئا من ذلك قد حدث أخيرا. رغم كثرة الأطباق الطائرة التي تشغل الناس، والتي طالبت الدول بإدراجها كقضية من قضايا الأمم المتحدة.

أي من القضايا الدولية التي شغلت العالم كله. خوفا من أن تكون مقدمة لغزو فضائي للأرض. كأن تكون الأطباق الطائرة وحدات استطلاعية.

قد يكون التفسير الأول هو الأقرب إلى العقل. وإن لم تكن هناك أدلة كافية على صدقه أو صحته. ولكنه على كل حال حقيقة مؤكدة نراها ونعجب لها. وكل ما ينقصنا هو التفسير لها.

روى لنا الكاتب الفرنسي جوستاف فلوبير عندما زار الفيوم وقنا في أواخر القرن التاسع عشر حكايات غريبة رآها بنفسه. ولكنه هز رأسه قائلا: أن بلادا يبني الأهرام لقادر على أشياء كثيرة لا نعرف كيف نفهمها.

أتول له برجل اسمه الشيخ عبد الله عبد الحميد القناوي. رجل نحيف متوسط القامة. في غاية المرح. وطلبوا إليه أن يعرض قدراته على الأديب الفرنسي. فجاء الشيخ عبد الله بنار وأحرق بها يده. حتى رأى الناس الدخان يتصاعد من بطن يده. وانزعج الأديب الفرنسي.

فجأة تحولت يده إلى قطعة من الفحم الأسود. وراح الشيخ عبد الله يلعق يده. حتى عادت إلى لونها وطبيعتها الأولى. واقترب الأديب من الرجل وراح يتحسس يده. لقد وجدها كما كانت، وكأن نارا لم تلمسها.

ثم أتوا للشيخ عبد الله بطفل لد يد بست أصابع. فما كان من الشيخ عبد الله إلا أن أمسك الأصبع السادس وكسرها. ثم راح يلعق مكانها. وعرض اليد على الأديب الفرنسي، فلم يجد أثرا للأصبع السادسة. ثم أعاد الأصبع إلى مكانها من يد الطفل كما كانت تماما.

هز الأديب الفرنسي رأسه ونظر إلى السماء. وكانت نظرته هي الإجابة الصحيحة والمحيرة في نفس الوقت. فمن أين تجيء هذه القدرة. وكيف ولماذا هؤلاء الناس دون غيرهم. وهل هذه القدرة كامنة خاملة عند كل إنسان ولكننا لا نعرف كيف نهتدي إليها. وإذا اهتدينا إليها فكيف نطلقها. هذه هي قضية كل علوم النفس الحديثة.